البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٢ - ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم، و ما كان منهم إلى الحجيج
رجل كان إلى جانبي فقتله القرمطى، ثم قال: يا حمير،- و رفع صوته بذلك- أ ليس قلتم في بيتكم هذا (وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) فأين الأمن؟ قال: فقلت له: اسمع جوابك. قال نعم قلت إنما أراد اللَّه:
فأمنوه. قال فثنى رأس فرسه و انصرف. و قد سأل بعضهم هاهنا سؤالا. فقال: قد أحل اللَّه سبحانه بأصحاب الفيل- و كانوا نصارى- ما ذكره في كتابه، و لم يفعلوا بمكة شيئا مما فعله هؤلاء، و معلوم أن القرامطة شر من اليهود و النصارى و المجوس، بل و من عبدة الأصنام، و أنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد، فهلا عوجلوا بالعذاب و العقوبة، كما عوجل أصحاب الفيل؟ و قد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارا لشرف البيت، و لما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم، من البلد الّذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها و إرسال الرسول منها أهلكهم سريعا عاجلا، و لم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه و أخربوه لأنكرت القلوب فضله. و أما هؤلاء القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع و تمهيد القواعد، و العلم بالضرورة من دين اللَّه بشرف مكة و الكعبة، و كل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحادا بالغا عظيما، و أنهم من أعظم الملحدين الكافرين، بما تبين من كتاب اللَّه و سنة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار، و اللَّه سبحانه يمهل و يملى و يستدرج ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، كما
قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): «إن اللَّه ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»
ثم قرأ قوله تعالى (وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) و قال (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ) و قال: (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ) و قال: (مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ).
و فيها وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبى بكر المروذي الحنبلي، و بين طائفة من العامة، اختلفوا في تفسير قوله تعالى (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) فقالت الحنابلة: يجلسه معه على العرش. و قال الآخرون: المراد بذلك الشفاعة العظمى، فاقتتلوا بسبب ذلك و قتل بينهم قتلى، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و قد ثبت في صحيح البخاري أن المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى، و هي الشفاعة في فصل القضاء بين العباد، و هو المقام الّذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم، حتى إبراهيم، و يغبطه به الأولون و الآخرون. و فيها وقعت فتنة بالموصل بين العامة فيما يتعلق بأمر المعاش، و انتشرت و كثر أهل الشر فيها و استظهروا، و جرت بينهم شرور ثم سكنت. و فيها وقعت فتنة ببلاد خراسان بين بنى ساسان و أميرهم نصر بن أحمد الملقب بسعيد، و خرج في شعبان خارجىّ بالموصل. و خرج آخر بالبواريج، فقاتلهم أهل تلك الناحية حتى سكن شرهم و تفرق أصحابهم. و فيها التقى مفلح