البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٠ - ذكر صفة مقتل الحلاج
طاعته فطلبه فكبس منزله فأخذه فأقر أنه من أصحاب الحلاج، و وجد في منزله أشياء بخط الحلاج مكتوبة بماء الذهب في ورق الحرير مجلدة بأفخر الجلود. و وجد عنده سفطا فيه من رجيع الحلاج و عذرته و بوله و أشياء من آثاره، و بقية خبز من زاده. فطلب الوزير من المقتدر أن يتكلم في أمر الحلاج ففوض أمره إليه، فاستدعى بجماعة من أصحاب الحلاج فتهددهم فاعترفوا له أنه قد صح عندهم أنه إله مع اللَّه، و أنه يحيى الموتى، و أنهم كاشفوا الحلاج بذلك و رموه به في وجهه، فجحد ذلك و كذبهم و قال: أعوذ باللَّه أن أدعى الربوبية أو النبوة، و إنما أنا رجل أعبد اللَّه و أكثر له الصوم و الصلاة و فعل الخير، لا أعرف غير ذلك. و جعل لا يزيد على الشهادتين و التوحيد، و يكثر أن يقول:
سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءا و ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. و كانت عليه مدرعة سوداء و في رجليه ثلاثة عشر قيدا، و المدرعة واصلة إلى ركبتيه، و القيود واصلة إلى ركبتيه أيضا، و كان مع ذلك يصلى في كل يوم و ليلة ألف ركعة.
و كان قبل احتياط الوزير حامد بن العباس عليه في حجرة من دار نصر القشوري الحاجب، مأذونا لمن يدخل إليه، و كان يسمى نفسه تارة بالحسين بن منصور، و تارة محمد بن أحمد الفارسي، و كان نصر الحاجب هذا قد افتتن به و ظن أنه رجل صالح، و كان قد أدخله على المقتدر باللَّه فرقاه من وجع حصل له فاتفق زواله عنه، و كذلك وقع لوالدة المقتدر السيدة رقاها فزالت عنها، فنفق سوقه و حظي في دار السلطان. فلما انتشر الكلام فيه سلم إلى الوزير حامد بن العباس فحبسه في قيود كثيرة في رجليه، و جمع له الفقهاء فأجمعوا على كفره و زندقته، و أنه ساحر ممخرق. و رجع عنه رجلان صالحان ممن كان اتبعه أحدهما أبو على هارون بن عبد العزيز الأوارجي، و الآخر يقال له الدباس، فذكروا من فضائحه و ما كان يدعو الناس إليه من الكذب و الفجور و المخرقة و السحر شيئا كثيرا، و كذلك أحضرت زوجة ابنه سليمان فذكرت عنه فضائح كثيرة. من ذلك أنه أراد أن يغشاها و هي نائمة فانتبهت فقال: قومي إلى الصلاة، و إنما كان يريد أن يطأها. و أمر ابنتها بالسجود له فقالت: أو يسجد بشر لبشر؟ فقال: نعم إله في السماء و إله في الأرض. ثم أمرها أن تأخذ من تحت بارية هنالك ما أرادت، فوجدت تحتها دنانير كثيرة مبدورة. و لما كان معتقلا في دار حامد بن العباس الوزير دخل عليه بعض الغلمان و معه طبق فيه طعام ليأكل منه، فوجده قد ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، فذعر ذلك الغلام و فزع فزعا شديدا، و ألقى ما كان في يده من ذلك الطبق و الطعام، و رجع محموما فمرض عدة أيام.
و لما كان آخر مجلس من مجالسه أحضر القاضي أبو عمر محمد بن يوسف و جيء بالحلاج و قد أحضر له كتاب من دور بعض أصحابه و فيه: من أراد الحج و لم يتيسر له فليبن في داره بيتا لا يناله شيء من