البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٧ - ذكر أشياء من حيل الحلاج
و روى عن بعضهم قال: كنت أسمع أن الحلاج له أحوال و كرامات فأحببت أن أختبر ذلك فجئته فسلمت عليه فقال لي: تشتهي على الساعة شيئا؟ فقلت: أشتهى سمكا طريا. فدخل منزله فغاب ساعة ثم خرج على و معه سمكة تضطرب و رجلاه عليهما الطين. فقال: دعوت اللَّه فأمرنى أن آتى البطائح لآتيك بهذه السمكة، فخضت الأهواز و هذا الطين منها. فقلت: إن شئت أدخلتنى منزلك حتى انظر ليقوى يقيني بذلك، فان ظهرت على شيء و إلا آمنت بك. فقال: أدخل، فدخلت فأغلق على الباب و جلس يراني. قدرت البيت فلم أجد فيه منفذا إلى غيره، فتحيرت في أمره ثم نظرت فإذا أنا بتأزيرة- و كان مؤزرا بإزار ساج- فحركتها فانفلقت فإذا هي باب منفذ فدخلته فأفضى بى إلى بستان هائل، فيه من سائر التمار الجديدة و العتيقة، قد أحسن إبقاءها. و إذا أشياء كثيرة معدودة للأكل، و إذا هناك بركة كبيرة فيها سمك كثير صغار و كبار، فدخلتها فأخرجت منها واحدة فنال رجلي من الطين مثل الّذي نال رجليه، فجئت إلى الباب فقلت: افتح قد آمنت بك. فلما رآني على مثل حاله أسرع خلفي جريا يريد أن يقتلني. فضربته بالسمكة في وجهه و قلت:
يا عدو اللَّه أتعبتني في هذا اليوم. و لما خلصت منه لقيني بعد أيام فضاحكنى و قال: لا تفش ما رأيت لأحد و إلا بعثت إليك من يقتلك على فراشك. قال: فعرفت أنه يفعل إن أفشيت عليه فلم أحدث به أحدا حتى صلب.
و قال الحلاج يوما لرجل: آمن بى حتى أبعث لك بعصفورة تأخذ من ذرقها وزن حبة فتضعه على كذا منا من نحاس فيصير ذهبا. فقال له الرجل: آمن أنت بى حتى أبعث إليك بفيل إذا استلقى على قفاه بلغت قوائمه إلى السماء، و إذا أردت أن تخفيه وضعته في إحدى عينيك. قال: فبهت و سكت.
و لما ورد بغداد جعل يدعو إلى نفسه و يظهر أشياء من المخاريق و الشعوذة و غيرها من الأحوال الشيطانية، و أكثر ما كان يروج على الرافضة لقلة عقولهم و ضعف تمييزهم بين الحق و الباطل. و قد استدعى يوما برئيس من الرافضة فدعاه إلى الايمان به فقال له الرافضيّ: إني رجل أحب النساء و إني أصلع الرأس، و قد شبت، فان أنت أذهبت عنى هذا و هذا آمنت بك و أنك الامام المعصوم، و إن شئت قلت إنك نبي، و إن شئت قلت إنك أنت اللَّه. قال: فبهت الحلاج و لم يحر إليه جوابا.
قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: كان الحلاج متلونا تارة يلبس المسوح، و تارة يلبس الدراعة، و تارة يلبس القباء، و هو مع كل قوم على مذهبهم: إن كانوا أهل سنة أو رافضة أو معتزلة أو صوفية أو فساقا أو غيرهم، و لما أقام بالأهواز جعل ينفق من دراهم يخرجها يسميها دراهم القدرة، فسئل الشيخ أبو على الجبائي عن ذلك فقال: إن هذا كله مما يناله البشر بالحيلة، و لكن أدخلوه بيتا لا منفذ له ثم سلوه أن يخرج لكم جرزتين من شوك. فلما بلغ ذلك الحلاج تحول من الأهواز. قال