البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٤ - و هذه نبذة من سيرته و أحواله و كشف سريرته و أقواله
و قد أنشد لابن عطاء قول الحلاج.
أريدك لا أريدك للثواب* * * و لكنى أريدك للعقاب
و كل مآربى قد نلت منها* * * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
فقال ابن عطاء: قال هذا ما تزايد به عذاب الشغف و هيام الكلف، و احتراق الأسف، فإذا صفا و وفى علا إلى مشرب عذب و هاطل من الحق دائم سكب. و قد أنشد لأبى عبد اللَّه بن خفيف قول الحلاج:
سبحان من أظهر ناسوته* * * سرّ سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرا* * * في صورة الآكل و الشارب
حتى قد عاينه خلقه* * * كلحظة الحاجب بالحاجب
فقال ابن خفيف: علا من يقول هذا لعنه اللَّه؟ فقيل له: إن هذا من شعر الحلاج، فقال: قد يكون مقولا عليه. و ينسب إليه أيضا:
أو شكت تسأل عنى كيف كنت* * * و ما لاقيت بعدك من هم و حزن
لا كنت إن كنت أدرى كيف كنت* * * و لا لا كنت أدرى كيف لم أكن
قال ابن خلكان: و يروى لسمنون لا للحلاج. و من شعره أيضا قوله:
متى سهرت عيني لغيرك أو بكت* * * فلا أعطيت ما أملت و تمنت
و إن أضمرت نفسي سواك فلا زكت* * * رياض المنى من وجنتيك و جنت
و من شعره أيضا:
دنيا تغالطنى كأنني* * * لست أعرف حالها
حظر المليك حرامها* * * و أنا احتميت حلالها
فوجدتها محتاجة* * * فوهبت لذتها لها
و قد كان الحلاج يتلوّن في ملابسه، فتارة يلبس لباس الصوفية و تارة بتجرد في ملابس زرية، و تارة يلبس لباس الأجناد و يعاشر أبناء الأغنياء و الملوك و الأجناد. و قد رآه بعض أصحابه في ثياب رثة و بيده ركوة و عكازة و هو سائح فقال له: ما هذه الحالة يا حلاج؟ فأنشأ يقول:
لئن أمسيت في ثوبي عديم* * * لقد بليا على حرّ كريم
فلا يغررك أن أبصرت حالا* * * مغيرة عن الحال القديم
فلي نفس ستتلف أو سترقى* * * لعمرك بى إلى أمر جسيم
و من مستجاد كلامه و قد سأله رجل أن يوصيه بشيء ينفعه اللَّه به. فقال: عليك نفسك إن لم تشغلها بالحق و إلا شغلتك عن الحق. و قال له رجل: عظني. فقال: كن مع الحق بحكم ما أوجب.