التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٩ - مسائل و دلائل
و قد سبق حديث الرمّاني: أنّ السماوات غير الأفلاك المفروضة عند القدماء[١].
٢- فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ
قال تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَ ما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ[٢].
أو هل كانت الطرائق هنا هي مدارات الأفلاك البطلميوسيّة؟
قلت: كلّا، إنّها الطرائق بمعنى مجاري الامور في التدبير و التقدير و الّتي هي محلّها السماوات العلى.
الطرائق: جمع الطريقة بمعنى المذهب و المسلك الفكري و العقائدي و ليس بمعنى سبيل الاستطراق على الأقدام. و لم تستعمل في القرآن إلّا بهذا المعنى:
يقول تعالى- حكاية عن لسان الجنّ-: وَ أَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَ مِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً[٣].
أي مذاهب شتّى.
وَ يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى[٤]. أي بمذهبكم القويم الأفضل.
إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً[٥]. و ذاك يوم الحشر يتخافت المجرمون: كم لبثوا؟
فيقول بعضهم: عشرا. و يقول أعقلهم و أفضلهم بصيرة: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً.
وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً[٦]. أي الطريقة المثلى و المذهب الحقّ.
فالمقصود بالطرائق- في الآية الكريمة- هي طرائق التدبير و التقدير، المتّخذة في السماوات حيث مستقرّ الملائك المدبّرات أمرا و المقسّمات[٧]. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ[٨] وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ[٩]. أي تقدير أرزاقكم و كلّما قدّر لكم من مجاري الامور. ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ[١٠]. وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[١١].
[١] راجع: التبيان ١: ١٢٥ و الرمّاني هو أبو الحسن عليّ بن عيسى المعتزلي النحوي المشهور. توفّي: ٣٨٢.
[٢] المؤمنون ٢٣: ١٧.
[٣] الجنّ ٧٢: ١١.
[٤] طه ٢٠: ٦٣.
[٥] طه ٢٠: ١٠٤.
[٦] الجنّ ٧٢: ١٦.
[٧] النازعات ٧٩: ٥. و الذاريات ٥١: ٤.
[٨] السجدة ٣٢: ٥.
[٩] الذاريات ٥١: ٢٢.
[١٠] يونس ١٠: ٣.
[١١] الحجر ١٥: ٢١.