التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧١ - سورة البقرة(٢) آية ١٩
فضرب اللّه شأن هذين المنافقين الخارجين، مثلا للمنافقين الّذين بالمدينة، و كان المنافقون إذا حضروا مجلس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء فيقتلوا كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما و إذا أضاء لهم مشوا فيه فإذا كثرت أموالهم و ولدهم و أصابوا غنيمة و فتحا مشوا فيه و قالوا: إنّ دين محمّد حينئذ صدق و استقاموا عليه كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء بهما البرق وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا فكانوا إذا هلكت أموالهم و ولدهم و أصابهم البلاء، قالوا هذا من أجل دين محمّد و ارتدّوا كفّارا، كما كان ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما.
و أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن السدّي، مثله[١].
[٢/ ٤٩٠] و أخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ قال: كان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن ينزّل فيهم شيء أو يذكروا بشيء فيقتلوا.[٢] أي فيفضحوا و يفضح نفاقهم فيعاقبوا.
[٢/ ٤٩١] و أخرج عبد بن حميد و ابن جرير عن قتادة في قوله: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ. قال: هذا مثل ضربه اللّه للمنافق لجبنه، لا يسمع صوتا إلّا ظنّ أنّه قد أتى، و لا يسمع صياحا إلّا ظنّ أنّه ميّت. أجبن قوم و أخذله للحقّ، و قال اللّه في آية اخرى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ[٣] يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ قال: البرق هو الإسلام و الظلمة هو البلاء و الفتنة. فإذا رأى المنافق من الإسلام طمأنينة و عافية و رخاء و سلوة من عيش قالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ و منكم، و إذا رأى من الإسلام شدّة و بلاء حقحق[٤] عندها فلا يصبر لبلائها و لم يحتسب أجرها و لم يرج عاقبتها. إنّما هو صاحب دنيا، لها يغضب و لها يرضى، و هو كما نعته اللّه[٥].
[٢/ ٤٩٢] و قال مقاتل بن سليمان: ثمّ ضرب للمنافقين مثلا فقال- سبحانه-: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ
[١] الدرّ ١: ٨١- ٨٢؛ الطبري ١: ٢٢٣/ ٣٧٩.
[٢] ابن أبي حاتم ١: ٥٦/ ١٩٦.
[٣] المنافقون ٦٣: ٤.
[٤] الحقحقة: الوقفة في السير لشدّة التعب.
[٥] الدرّ ١: ٨٣؛ الطبري ١: ٢٢٤/ ٣٨٣- ٣٨٤. و تقدّم الحديث عن الطبري ذيل الآية السابقة.