التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٠ - في أن الإيمان مبثوث لجوارح البدن كلها
التامّ المنتهى تمامه، و منه الناقص البيّن نقصانه، و منه الرّاجح الزّائد رجحانه؛ قلت: إنّ الإيمان ليتمّ و ينقص و يزيد؟ قال: نعم، قلت: كيف ذلك؟ قال: لأنّ اللّه- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلّا و قد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به اختها، فمنها قلبه الّذي به يعقل و يفقه و يفهم، و هو أمير بدنه الّذي لا ترد الجوارح و لا تصدر إلّا عن رأيه و أمره، و منها عيناه اللّتان يبصر بهما، و اذناه اللّتان يسمع بهما، و يداه اللّتان يبطش بهما، و رجلاه اللّتان يمشي بهما، و فرجه الّذي الباه من قبله، و لسانه الّذي ينطق به، و رأسه الّذي فيه وجهه، فليس من هذه جارحة إلّا و قد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به اختها بفرض من اللّه- تبارك اسمه- ينطق به الكتاب لها و يشهد به عليها.
ففرض على القلب غير ما فرض على السمع، و فرض على السمع غير ما فرض على العينين، و فرض على العينين غير ما فرض على اللّسان، و فرض على اللّسان غير ما فرض على اليدين، و فرض على اليدين غير ما فرض على الرّجلين، و فرض على الرّجلين غير ما فرض على الفرج، و فرض على الفرج غير ما فرض على الوجه، فأمّا ما فرض على القلب من الإيمان فالإقرار و المعرفة و العقد و الرّضا و التسليم بأن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا، و أنّ محمّدا عبده و رسوله. و الإقرار بما جاء من عند اللّه من نبيّ أو كتاب، فذلك ما فرض اللّه على القلب من الإقرار و المعرفة، و هو عمله و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً[١] و قال: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[٢] و قال: قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ[٣] و قال: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ[٤] فذلك ما فرض اللّه- عزّ و جلّ- على القلب من الإقرار و المعرفة، و هو عمله، و هو رأس الإيمان.
و فرض اللّه على اللّسان القول و التعبير عن القلب بما عقد عليه و أقرّ به، قال اللّه- تبارك و تعالى-: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً[٥] و قال: قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ
[١] القصص ٢٨: ١٠٦.
[٢] الرعد ١٣: ٣٠.
[٣] المائدة ٥: ٤٤.
[٤] البقرة ٢: ٢٨٤.
[٥] البقرة ٢: ٨٣.