التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢١ - سورة البقرة(٢) الآيات ٤٠ الى ٤٦
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٠ الى ٤٦]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)
وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)
في هذا المقطع من الآيات يواجه السياق بني إسرائيل، أولئك الّذين واجهوا الدعوة في المدينة مواجهة نكرة؛ و قاوموها مقاومة عنيفة: خفيّة و ظاهرة؛ و كادوا لها كيدا متواصلا، لم يفتر لحظة منذ أن ظهر الإسلام بالمدينة و تبيّن لهم أنّه في طريقه إلى الهيمنة على مقاليدها، و عزلهم من القيادة الأدبيّة و الاقتصاديّة الّتي كانت لهم لحدّ ذاك الحين .. و ذلك مذ و حدّ الأوس و الخزرج و سدّ الثغرات الّتي كانت تنفذ منها اليهود. و شرع لهم منهجا قويما و غنيّا عن الاستجداء من الأجانب ذوي الأطماع. منهجا مستقلا يقوم على أساس كتاب جديد و شريعة جديدة على يد نبيّ من ولد إسماعيل و ليس من ولد إسحاق!
الأمر الّذي أثار ضغائنهم و زاد حقدهم على هذه الأمّة منذ بزوغها، فكانت معركة دامية شنّها اليهود على الإسلام و المسلمين منذ ذلك التاريخ البعيد، ثمّ لم يخب أوارها حتّى اللحظة الحاضرة، بنفس الوسائل و نفس الأساليب، لا يتغيّر إلّا شكلها، أمّا حقيقتها فباقية، و أمّا طبيعتها فواحدة.
هذا على الرغم من أنّ العالم كلّه منذ زمن سحيق كان يطاردهم من جهة إلى جهة و من قرن إلى قرن- و لا يزال- فلا يجدون لهم صدرا حنونا إلّا في العالم الإسلامي المفتوح، الّذي يكافح الاضطهادات سواء الدينيّة أو العنصريّة، و يفتح أبوابه لكلّ مسالم لا يؤذي الإسلام و لا يكيد للمسلمين.
قال سيّد قطب: و لقد كان المنتظر أن يكون اليهود في المدينة هم أوّل من يؤمن بالرسالة