التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩ - ١ - الإيمان بالغيب
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً[١]. و هذا الفرقان هي الحكمة الرشيدة الّتي يمنحها اللّه تعالى لمن يشاء يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ[٢].
[٢/ ٩٢] و قد جعل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام من حقائق القرآن ما لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه، و لطف حسّه، و صحّ تمييزه، ممّن شرح اللّه صدره للإسلام[٣].
و هذا هو المعنيّ بقوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ[٤].
و صدق اللّه العظيم.
سمات المتقين الخمس
ثمّ أخذ- تعالى- في بيان سمات هؤلاء المتّقين، الّذين هم وحدهم موضع الاهتداء بهدي القرآن الكريم، و الارتواء من منهل عذبه الرحيق. فذكر منها سمات خمسا، هنّ الرءوس و الأسس لسائر الفضائل و المكرمات:
١- الإيمان بالغيب
أولاها- و هو الركن الركين لسائر الأسس- الإيمان بالغيب. قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، و الغيب هنا مطلق. أي العقيدة بأنّ هناك وراء الشهود غيبا هو أرقى و أفسح، و أن ليست الحياة محدودة بهذه الدنيا القصيرة المدى، فيما زعمه القاصرون وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ[٥].
فالّذي يرى من الحياة هي الفانية و أن ليس الموجود سوى المحسوس، ما وراءه شيء، فهذا لا يمكن التفاهم معه على أمر الوحي و شريعة السماء و الكتاب و النبيّين و المبدأ و المعاد و غيرها من أمور هي فوق المادّة المحسوسة. فكيف يا ترى يمكنه- و هو ناكر لوجوده تعالى- أن يراعي تقوى
[١] الأنفال ٨: ٢٩.
[٢] البقرة ٢: ٢٦٩.
[٣] وسائل الشيعة ٢٧: ١٩٤ عن كتاب الاحتجاج للطبرسي ١: ٣٧٦.
[٤] الواقعة ٥٦: ٧٧- ٧٩.
[٥] الجاثية ٤٥: ٢٤.