التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٩ - ما ذا نفقه من تسبيح الكائنات؟
عدم التفقّه لهذا المعنى- لمن نظر سطحيّا- ذا وجه وجيه، حيث خضوع الكائنات لقوانين النظام و استسلامها لنواميس الطبيعة، أمر لا يعلمه إلّا العلماء الراسخون في العلم، العارفون بأسرار الكون و خبيئات الوجود.
قلت: و حتّى للمتعمّقين من العلماء، قد خفي عليهم وجه هذا الاستسلام الّذي ينبئ عن شعور ذاتي في ذوات الأشياء، و الّذي يبدو بوضوح في مثل النحل و النمل و غيرهما، من ذوي الأحاسيس الحادّة، تعمل وفق مصالحها حسبما جبلها اللّه عليه. فما هذه الشعور و الإحساس الّذي يبعث الكائنات على العمل وفق وظيفتها تماما؟!
هذه السلحفاة تبيض خارج البحر و تطمّ بيضها في حفيرة و تتركها لشأنها. ثمّ لمّا خرجت الفروخ عن البيض، إذا هي تأخذ طريقها إلى البحر، لتكرّر حياة أسلافها، وفق سنّة اللّه الّتي جرت في الخلق.
كيف هذا الشعور و من أين؟ الأمر الّذي يجهله الناس كافّة و حتّى العلماء، و إنّما عرفوا الآثار و النتائج. أمّا العلل و الأسباب الكامنة فمجهولة على الإطلاق!
«فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ»
ما ذا يعني التسبيح بحمد ربّنا؟
التسبيح: تنزيه عن الأسواء.
و التحميد: تمجيد بجلائل الصفات.
و من ثمّ قد يكون التنزيه بنفس التمجيد، فإذا مجّدته تعالى بصفاته العظام فقد نزّهته عن الأسواء، حيث ترفّعه تعالى عمّا دون شأنه الرفيع.
فإذا قلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ[١].
أو قلت: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
[١] البقرة ٢: ٢٥٥.