التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٧ - نظرة في أخبار الطينة
(السادس) أنّ غاية ما يلزم من الخلق من الطينتين الميل و المحبّة لما يقتضيه كلّ منهما من خير و شرّ بالاختيار، و ذلك لا يستلزم الجبر لا سيّما بعد التصريح بخلط الطينتين الموجب لتدافع الطبيعتين و الوقوف على حدّ الاعتدال بحيث يصير المؤمن قادرا على السيئة و الكافر قادرا على الحسنة. و يؤيده قوله عليه السّلام في بعض أخبار هذا الباب: فقلوب المؤمنين تحنّ إلى ما خلقوا منه، و قلوب الكافرين تحنّ إلى ما خلقوا منه. و ظاهره أنّ ذلك الخلط و المزج صار سببا لمجرّد الميل لا أنّه رفع القدرة و الاختيار، و صار علّة للإجبار، و لعلّ الحكمة و المصلحة في مزج الطينتين إظهار قدرته تعالى في إخراج الكافر من المؤمن و بالعكس، دفعا لتوهّم استنادهم إلى الطبائع أو ظهور رحمته تعالى في فسّاق المؤمنين بغفران ذنوبهم، أو تعيّش المؤمنين في دولة الكافرين، إذ لو لم تكن رابطة الاختلاط و لم يكن لهم رأفة و أخلاق حسنة كانوا كلّهم بمنزلة الشياطين، فلم يتخلص أحد من بطشهم. أو لوقوع المؤمن بين الخوف و الرجاء حيث لا يعلم أنّ الغالب فيه الخير أو الشرّ، أو رفع العجب عنه بفعل الطاعات، أو الرجوع إليه تعالى في حفظ نفسه من المعاصي أو غير ذلك من الحكم و المصالح الّتي لم تدركها عقولنا القاصرة و أفهامنا الفاترة.
(السابع) ما اعتمده أكثر الأصحاب و عوّلوا عليه في هذا الباب، و هو أنّ ذلك منزّل على العلم الإلهي، فإنّه تعالى لمّا خلق الأرواح كلّها قابلة للخير و الشرّ، و قادرة على فعلهما، و علم أنّ بعضها يعود إلى الخير المحض و هو الإيمان، و بعضها يعود إلى الشرّ المحض و هو الكفر باختيارها ... عاملها هذه المعاملة كالخلق من الطينة الطيّبة أو الخبيثة، فحيث علم اللّه من أحد أنّه يختار الخير و الإيمان البتة، و لو لم يخلق من طينة طيّبة، خلقه منها. و لمّا علم من آخر أنّه يختار الشرّ و الكفر البتة، خلقه من طينة خبيثة، لطفا بالأوّل و تسهيلا عليه و إكراما له لما علم من حسن نيّته و عمله. و بالعكس في الثاني. و علم اللّه ليس بعلّة لصدور الأفعال.
و هذا معنى جيّد تنطبق عليه أكثر أخبار الباب و يستنبط من أخبارهم عليهم السّلام كما أشير إليه في حديث[١] حكاية عنه تعالى: أنا المطّلع على قلوب عبادي لا أحيف و لا أظلم، و لا ألزم أحدا إلّا ما عرفته منه، قبل أن أخلقه. و يستفاد ذلك من أخبار أخر ذكرها يفضي إلى التطويل.
[١] أورده في المصابيح ١: ٩.