التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٦ - نظرة في أخبار الطينة
و فيه أنّ هذه الأخبار قد رواها العلماء الأعلام في جوامعهم العظام بأسانيد عديدة و طرق سديدة و لا يبعد أن تكون من المتواترات معنى، فلا معنى لطرحها و ردّها، بل لا بدّ من توجيهها. و قد رواها ثقة الإسلام الكليني في الكافي بطرق شتّى و متون عديدة، و الشيخ في الأمالي، و البرقي في المحاسن، و الصدوق في العلل، و عليّ بن إبراهيم و العيّاشي في تفسيريهما، و الصفّار في بصائر الدرجات و غيرهم، بأسانيد وافرة و طرق متكاثرة، بل الأولى حينئذ أن يقال: إنّ هذه الأخبار متشابهة يجب الوقوف عندها و ردّ أمرها و تسليمه إليهم عليهم السّلام فإنّ كلامهم كالقرآن محكم و متشابه، كما ورد عنهم عليهم السّلام إنّ في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن و محكما كمحكمه فردّوا متشابهها إلى محكمها و لا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا.
(الثاني) أنّها محمولة على موافقة العامّة فيما روته الحشويّة و قد ذهب إليه الأشاعرة، و لمخالفتها لأخبار الاختيار و الاستطاعة المعلومة من طريقة الأئمّة عليهم السّلام.
و هذا مشارك لما قبله في الضعف، فإنّ الظاهر من بعضها أنّها من أسرار علومهم و كنوز معارفهم.
(الثالث) أنّها كناية عمّا علمه اللّه تعالى و قدّره من اختلاط المؤمن و الكافر في الدنيا و استيلاء أئمّة الجور و أتباعهم على أئمّة الحقّ و أتباعهم. و على أنّ المؤمنين إنّما يرتكبون الآثام لاستيلاء أهل الباطل عليهم و عدم تولّي أئمّة الحقّ لسياستهم فيعذرهم لذلك و يعفو عنهم و يعذّب أئمّة الجور و أتباعهم بتسببهم لجرائم من خالطهم مع ما يستحقون من جرائم أنفسهم.
(الرابع) أنّها كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون فإنّه تعالى لمّا خلقهم مع علمه بأحوالهم فكأنّه تعالى خلقهم من طينات مختلفة. و لا يخفى ضعفه.
(الخامس) أنّها كناية عن اختلاف استعدادهم و تفاوت قابليّاتهم.
و هذا أمر بيّن لا يمكن إنكاره إذ لا شبهة في أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاستعداد و القابلية و هذا لا يستلزم سقوط التكليف، فإنّ اللّه تعالى كلّف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حسبما أعطاه من الاستعداد لتحصيل الكمالات، و كلّف أبا جهل حسبما أعطاه من ذلك و لم يكلّفه ما ليس في وسعه و لم يجبره على شيء من الشرّ و الفساد.