التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٥ - نظرة في أخبار الطينة
و قال في بحار أنواره: اعلم أنّ أخبار هذا الباب من المتشابهات المعضلات، و لأصحابنا- رضي اللّه عنهم- فيها مسالك:
منها ما ذهب إليه الأخباريّون، قالوا: نؤمن بها مجملا و نعترف الجهل و العجز عن معرفة حقيقة معناها. و نردّ علمه إلى الأئمّة عليهم السّلام.
و منها أنّها صدرت موافقة لمذاهب العامّة و لا سيّما الأشاعرة حسب إذعانهم بهكذا روايات روتها الحشويّة منهم.
و منها أنّها كناية عن علمه تعالى في الأزل بما هم صائرون إليه في المآل، فكان علمه تعالى بذلك، كأنّه خلقهم من طينات مختلفة.
و منها أنّها كناية عن اختلاف الاستعدادات و الّتي لا توجب جبرا في التكليف و الاختيار.
و منها أنّه لمّا كلّف اللّه الأرواح- في عالم الذرّ- و أخذ منهم الميثاق، اختار بعضهم الخير و بعضهم الشرّ حينذاك، فتفرّع على ذلك اختلاف الطينة حسب اختيارهم[١].
ثمّ إنّ المجلسى تضعّف هذه الوجوه و جنح إلى ترك الخوض في أمثال تلكم المسائل الغامضة الّتي تعجز العقول عن إدراك كنهها، فليوكل علمها إلى أهله!
لكنّه تراجع غير مقبول من أمثاله من نقّاد الحديث، ممّن وقفوا على معاريض كلام الأئمّة عليهم السّلام، و كانت لهم الحنكة الوافية بتشخيص السليم من السقيم من الأخبار و الآثار، الأمر الّذي يليق بمثله و هو المضطلع الخبير.
*** و هكذا ذكر السيّد عبد اللّه شبّر هذه الوجوه في شيء من التفصيل و لم يرجّح.
قال: اعلم أنّ هذا الخبر و نحوه من متشابهات الأخبار و معضلات الآثار، الّتي تحيّرت فيها الأنظار، و تصادمت فيها الأفكار، و اختلفت في توجيهها كلمات علمائنا الأبرار، و قد تخرّجوا عمّا يلزم من ظاهرها من الجبر و رفع الاختيار بوجوه:
(الأوّل) أنّها أخبار آحاد لا توجب علما و لا عملا فيجب ردّها و طرحها لا سيّما و هي مخالفة للكتاب الكريم و السنّة القطعيّة و إجماع الامامية و للأدلة العقليّة و البراهين اليقينيّة.
[١] البحار ٥: ٢٦٠- ٢٦١.