التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨ - مقاصد سورة البقرة و أهدافها
و لكي يتّضح مدى الارتباط بين محور السورة و موضوعاتها من جهة، و بين خطّ سير الدعوة أوّل العهد بالمدينة، و حياة الجماعة المسلمة و ملابساتها من الجهة الأخرى، أخذ يشرح من تلك الملابسات ما يرتبط و مواجهة نزول آيات السورة ابتداء، مع التنبيه الدائم إلى أنّ هذه الملابسات في عمومها هي الملابسات الّتي ظلّت الدعوة الإسلاميّة و أصحابها يواجهونها- مع اختلاف يسير- على مرّ العصور و كرّ الدهور، من أعدائها و أوليائها على السواء. ممّا يجعل هذه التوجيهات القرآنيّة هي دستور هذه الدعوة الخالد، و يبثّ في هذه النصوص حياة تتجدّد لمواجهة كلّ دور و كلّ طور، و يرفعها معالم للطريق أمام الأمّة المسلمة تهتدي بها في طريقها الطويل الشاقّ، بين العداوات المتعدّدة المظاهر المتوحّدة الطبيعة. و هذا هو الإعجاز يتبدّى جانب من جوانبه في هذه السمة الثابتة المميّزة في كلّ نصّ قرآني! و أخذ يصف موقف الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل الهجرة و محاولاته في بناء الجماعة المسلمة ذات الترابط الحكيم. ثمّ هجرته إلى المدينة و تأسيسه لحكم إسلامي قويّ الشوكة رهيب. و تلك معاهداته مع قبائل العرب و اليهود على سواء. و أخيرا يقول:
من أولئك السابقين من المهاجرين و الأنصار تكوّنت طبقة ممتازة من المسلمين نوّه القرآن بها في مواضع كثيرة. و هنا نجد السورة تفتتح بتقرير مقوّمات الإيمان، و هي تمثّل صفة المؤمنين الصادقين إطلاقا. و لكنّها أوّلا تصف ذلك الفريق من المسلمين الّذي كان قائما بالمدينة حينذاك.
ثمّ نجد بعدها مباشرة في السياق وصفا للكفّار؛ و هو يمثّل مقوّمات الكفر على الإطلاق.
و لكنّه أوّلا وصف مباشر للكفّار الّذين كانت الدعوة تواجههم حينذاك، سواء في مكّة أو فيما حول المدينة ذاتها من طوائف الكفّار.
كذلك كانت هناك طائفة المنافقين. و وجود هذه الطائفة نشأ مباشرة من الأوضاع الّتي أنشأتها الهجرة النبويّة إلى المدينة في ظروفها التي تمّت فيها، و لم يكن لها وجود بمكّة. فالإسلام في مكة لم تكن له دولة و لم تكن له قوّة، بل لم تكن له عصبة يخشاها أهل مكّة فينافقونها، على الضدّ من ذلك كان الإسلام مضطهدا، و كانت الدعوة مطاردة، و كان الّذين يغامرون بالانضمام إلى الصفّ الإسلامي هم المخلصون في عقيدتهم، الذين يؤثرونها على كلّ شيء و يحتملون في سبيلها كلّ شيء. فأمّا في يثرب الّتي أصبحت منذ اليوم تعرف باسم المدينة- أي مدينة الرسول- فقد أصبح