التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٨ - عناية ربانية دائمة
القيم التي يرتكز عليها. و هي القيم الّتي تليق بعالم صادر عن اللّه، متّجه إلى اللّه، صائر إلى اللّه في نهاية المطاف، عقد الاستخلاف فيه قائم على تلقّي الهدى من اللّه، و التقيّد بمنهجه في الحياة. و مفرق الطريق فيه أن يسمع الإنسان و يطيع لما يتلقّاه من اللّه، أو أن يسمع الإنسان و يطيع لما يمليه عليه الشيطان. و ليس هناك طريق ثالث، إمّا اللّه و إمّا الشيطان، إمّا الهدى و إمّا الضلال، إمّا الحق و إمّا الباطل، إمّا الفلاح و إمّا الخسران. و هذه الحقيقة هي الّتي يعبّر عنها القرآن كلّه، بوصفها الحقيقة الأولى، الّتي تقوم عليها سائر التصوّرات، و سائر الأوضاع في عالم الإنسان»[١].
عناية ربّانيّة دائمة
و ممّا يستلفت النظر من قصّة البشريّة الأولى، هي تلك عناية اللّه سبحانه و تعالى بالنسبة لهذا الإنسان، ترافقه طول الحياة ما دام مستمسكا بعروة اللّه الوثقى الّتي لا انفصام لها.
لقد كان التساؤل خطيرا: هلّا كان العقل البشري يمنحه دعة في الحياة أم يجعله في قلق دائب؟
فكان الجواب: أنّ الإنسان بما أنّه يعقل الأمور و يتدبّرها بفضل إمعانه في النظر و التفكير، بما أنّه كذلك فإنّه يصبح و يمسي قلقا و في اضطراب نفساني دائم، حيث يرى نفسه في خضمّ من الحوادث و الكوارث تترى على العائشين على هذه البسيطة. و هو لا يعلم مصيره بالذات، فلا يطمئنّ باله حيث توجّه خياله.
و الإنسان أوّل ما وضع قدميه على الأرض أحسّ بهذا القلق، حيث الوحشة ترافقه إذا ما ترك و شأنه!
غير أنّ اللّه- سبحانه و تعالى- بفضل رحمانيّته و رأفته بعباده، لم يدع الإنسان غائرا في هواجسه، و قد خلقه ليكون خليفته في الأرض.
فهو- سبحانه- إثر ما أهبطه إلى الأرض- الموعودة- أرفقه بزاده و راحلته في هذا المسير الصعب؛ وعده بالنصر و الهدى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ[٢].
[١] في ظلال القرآن ١: ٧٣- ٧٦.
[٢] البقرة ٢: ٣٨- ٣٩.