التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٧ - إيحاءات من قصة آدم
و السلع و مطالب البطون كالحيوان[١]!
و في التصوّر الإسلامي إعلاء من شأن الإرادة في الإنسان فهي مناط العهد مع اللّه، و هي مناط التكليف و الجزاء. إنّه يملك الارتفاع على مقام الملائكة بحفظ عهده مع ربّه عن طريق تحكيم إرادته، و عدم الخضوع لشهواته، و الاستعلاء على الغواية الّتي توجّه إليه. بينما يملك أن يشقي نفسه و يهبط من عليائه، بتغليب الشهوة على الإرادة، و الغواية على الهداية، و نسيان العهد الّذي يرفعه إلى مولاه. و في هذا مظهر من مظاهر التكريم لا شكّ فيه، يضاف إلى عناصر التكريم الأخرى. كما أنّ فيه تذكيرا دائما بمفرق الطريق بين السعادة و الشقاوة، و الرفعة و الهبوط، و مقام الإنسان المريد و درك الحيوان المسوق!
و في أحداث المعركة الّتي تصوّرها القصّة بين الإنسان و الشيطان مذكّر دائم بطبيعة المعركة.
إنّها بين عهد اللّه و غواية الشيطان، بين الإيمان و الكفر، بين الحقّ و الباطل، بين الهدى و الضلال، و الإنسان هو نفسه ميدان المعركة. و هو نفسه الكاسب أو الخاسر فيها. و في هذا إيحاء دائم له باليقظة؛ و توجيه دائم له بأنّه جنديّ في ميدان؛ و أنّه هو صاحب الغنيمة أو السلب في هذا الميدان!
و أخيرا تجيء فكرة الإسلام عن الخطيئة و التوبة: إنّ الخطيئة فرديّة و التوبة فرديّة، في تصوّر واضح بسيط لا تعقيد فيه و لا غموض، ليست هنالك خطيئة مفروضة على الإنسان قبل مولده- كما تقول نظريّة الكنيسة- و ليس هنالك تكفير لاهوتيّ، كالذي تقول الكنيسة إنّ عيسى عليه السّلام (ابن اللّه بزعمهم) قام به بصلبه، تخليصا لبني آدم من خطيئة آدم! كلّا! خطيئة آدم كانت خطيئته الشخصيّة، و الخلاص منها كان بالتوبة المباشرة في يسر و بساطة. و خطيئة كلّ ولد من أولاده خطيئة كذلك شخصيّة، و الطريق مفتوح للتوبة في يسر و بساطة، تصوّر مريح صريح. يحمل كلّ إنسان وزره، و يوحي إلى كلّ إنسان بالجهد و المحاولة و عدم اليأس و القنوط «إنّ اللّه توّاب رحيم».
هذا طرف من إيحاءات قصّة آدم- في هذا الموضع- نكتفي به في ظلال القرآن. و هو وحده ثروة من الحقائق و التصوّرات القويمة؛ و ثروة من الإيحاءات و التوجيهات الكريمة؛ و ثروة من الأسس التي يقوم عليها تصوّر اجتماعي و أوضاع اجتماعيّة، يحكمها الخلق و الخير و الفضيلة. و من هذا الطرف نستطيع أن ندرك أهميّة القصص القرآنيّ في تركيز قواعد التصوّر الإسلامي؛ و إيضاح
[١] يراجع بتوسّع كتاب:« الإنسان بين الماديّة و الإسلام» لمحمّد قطب-« دار الشروق».