التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٥ - إيحاءات من قصة آدم
فلندع هذا الغيب إذن لصاحبه، و حسبنا ما يقصّ لنا عنه، بالقدر الّذي يصلح لنا في حياتنا، و يصلح سرائرنا و معاشنا. و لنأخذ من القصّة ما تشير إليه من حقائق كونيّة و إنسانيّة، و من تصوّر للوجود و ارتباطاته، و من إيحاءات بطبيعة الإنسان و قيمته و موازينه. فذلك وحده أنفع للبشريّة و أهدى[١].
إيحاءات من قصّة آدم
و لسيّد قطب هنا ملاحظات عابرة و في نفس الوقت جليلة استوحاها من قصّة آدم، قصّة البشريّة الأولى:
يقول: «و في اختصار يناسب ظلال القرآن سنحاول أن نمرّ بهذه الإيحاءات و التصوّرات و الحقائق مرورا مجملا سريعا:
إنّ أبرز إيحاءات قصّة آدم- كما وردت في هذا الموضع- هو القيمة الكبرى الّتي يعطيها التصوّر الإسلامي للإنسان و لدوره في الأرض، و لمكانه في نظام الوجود، و للقيم الّتي يوزن بها. ثمّ لحقيقة ارتباطه بعهد اللّه، و حقيقة هذا العهد الّذي قامت خلافته على أساسه.
و تتبدّى تلك القيمة الكبرى الّتي يعطيها التصوّر الإسلامي للإنسان في الإعلان العلوي الجليل في الملأ الأعلى الكريم، أنّه مخلوق ليكون خليفة في الأرض؛ كما تتبدّى في أمر الملائكة بالسجود له. و في طرد إبليس الّذي استكبر و أبى، و في رعاية اللّه له أوّلا و أخيرا.
و من هذه النظرة للإنسان تنبثق جملة اعتبارات ذات قيمة كبيرة في عالم التصوّر و في عالم الواقع على السواء.
و أوّل اعتبار من هذه الاعتبارات هو أنّ الإنسان سيّد هذه الأرض، و من أجله خلق كلّ شيء فيها- كما تقدّم ذلك نصّا- فهو إذن أعزّ و أكرم و أغلى من كلّ شيء مادّي، و من كلّ قيمة مادّيّة في هذه الأرض جميعا. و لا يجوز إذن أن يستعبد أو يستذل لقاء توفير قيمة مادّيّة أو شيء مادّي.
لا يجوز أن يعتدى على أيّ مقوّم من مقوّمات إنسانيّته الكريمة، و لا أن تهدر أيّة قيمة من قيمه لقاء تحقيق أيّ كسب مادّي، أو إنتاج أيّ شيء مادّي، أو تكثير أيّ عنصر مادّي. فهذه المادّيّات كلّها
[١] المصدر: ٧٢- ٧٣.