التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٩ - مسائل و دلائل
قال السيّد المرتضى: وجدت جميع المفسّرين على اختلاف عباراتهم يذهبون إلى أنّه تعالى أراد: أنّ في السّماء جبالا من برد. و فيهم من قال: ما قدره قدر جبال. يعني مقدار جبال من كثرته.
قال: و أبو مسلم بن بحر الأصبهانيّ خاصّة انفرد في هذا الموضع بتأويل طريف، و هو أن قال:
الجبال، ما جبل اللّه من برد، و كلّ جسم شديد مستحجر فهو من الجبال، أ لم تر إلى قوله تعالى في خلق الأمم: وَ اتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ[١]. و الناس يقولون: فلان مجبول على كذا.
و أورد عليه السيّد بأنّه يلزمه أن جعل الجبال اسما للبرد نفسه، من حيث كان مجبولا مستحجرا! و هذا غلط، لأنّ الجبال و إن كانت في الأصل مشتقّة من الجبل و الجمع، فقد صارت اسما لذي هيئة مخصوصة. و لهذا لا يسمّي أحد من أهل اللغة كلّ جسم ضمّ بعضه إلى بعض- مع استحجار أو غير استحجار- بأنّه جبل، و لا يخصّون بهذا اللفظ إلّا أجساما مخصوصة ... كما أنّ اسم الدابّة و إن كان مشتقّا في الأصل من الدبيب فقد صار اسما لبعض ما دبّ، و لا يعمّ كلّ ما وقع منه الدبيب.
قال: و الأولى أن يريد بلفظة السماء- هنا- ما علا من الغيم و ارتفع فصار سماء لنا، لأنّ سماء البيت و سماواته ما ارتفع منه. و أراد بالجبال التشبيه، لأنّ السحاب المتراكب المتراكم تشبّهه العرب بالجبال و الجمال، و هذا شائع في كلامها، كأنّه تعالى قال: و ينزّل من السحاب الّذي يشبه الجبال في تراكمه بردا.
قال: و على هذا التفسير تكون «من» الاولى و الثانية لابتداء الغاية، و الثالثة زائدة لا حكم لها، و يكون تقدير الكلام: و ينزّل من جبال في السماء بردا. فزادت «من» كما تزاد في قولهم: ما في الدار من أحد. و كم أعطيته من درهم، و ما لك عندي من حقّ، و ما أشبه ذلك.
و أضاف: إنّه قد ظهر مفعول صحيح ل «ننزّل»، و لا مفعول لهذا الفعل على سائر التأويلات[٢].
قلت: و هو تأويل وجيه لو لا جانب زيادة «من» في الإيجاب.
قال ابن هشام: شرط زيادتها تقدّم نفي أو نهي أو استفهام و لم يشترطه الكوفيّون و استدلّوا بقول العرب: قد كان من مطر. و بقول عمر بن أبي ربيعة:
[١] الشعراء ٢٦: ١٨٤.
[٢] الأمالي للسيّد المرتضى علم الهدى ٢: ٣٠٤- ٣٠٦.