التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢١ - مسائل و دلائل
من أطباق السماء شيئا، فكيف يعرض عليهم دليلا على إتقان صنعه تعالى؟ (الآية في سورة نوح و الخطاب عن لسانه موجّه إلى قومه).
و هكذا قوله تعالى: أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَ زَيَّنَّاها وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ[١].
و قوله: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ[٢].
قلت: هذا بناء على تفسير الطباق بذات الطبقات.
هكذا فسّره المشهور: طباقا، واحدة فوق اخرى كالقباب بعضها فوق بعض[٣].
لكنّ الطباق هو بمعنى الوفاق و التماثل في الصنع و الإتقان، بدليل تفسيره بقوله تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ. أي كلّها في الصنع و الاستحكام متشاكل.
و قد أشرب هنا معنى الالتحام و التلاصق التامّ بين أجزائها مرادا به الانسجام في الخلق. بدليل قوله تعالى: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أي انشقاق و خلل و عدم انسجام. و كذا قوله: وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي منفرجات و خلآت توجب فصل بعضها عن بعض بحيث تضادّ النظم القائم. الأمر الّذي يستطيع كلّ إنسان- مهما كان مبلغه من العلم- من الوقوف عليه إذا تأمّل في النظم الساطي على السماوات و الأرض.
٥- وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ[٤]
وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ[٥]. تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً[٦]. أو هل تعني البروج هذه ما تصوّره الفلكيّون بشأن البروج الاثني عشر في أشكال رسموها لرصد النجوم؟
قلت: المعنيّ بالبروج هذه هي نفس النجوم، تشبيها لها بالقصور الزاهية و الحصون المنيعة الرفيعة، بدليل عطف السراج- و هي الشمس الوهّاجة- و القمر المنير عليها. و لا صلة لها بالأشكال
[١] ق ٥٠: ٦.
[٢] الملك ٦٧: ٣.
[٣] راجع: مجمع البيان ١٠: ٣٢٢ و ٣٦٣، ذيل الآية من سورة الملك و الآية من سورة نوح؛ و روح المعاني للآلوسي، ٢٩: ٦ و ٧٥؛ و تفسير المراغي ٢٩: ٦ و ٨٥ ... و غيرها.
[٤] البروج ٨٥: ١.
[٥] الحجر ١٥: ١٦.
[٦] الفرقان ٢٥: ٦١.