التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٧ - كلام عن ضرب الأمثال في القرآن
ثمّ جعل يعدّد فوائده في أنواع الكلام، مدحا أو ذمّا، حجاجا أو فخارا أو اعتذارا، أو وعظا و إرشادا، و نحو ذلك. قال:
فإن كان مدحا كان أبهى و أفخم، و أنبل في النفوس و أعظم، و أهزّ للعطف، و أسرع للالف، و أجلب للفرح، و أغلب على الممتدح، و أوجب شفاعة للمادح، و أقضى له بغرّ المواهب و المنائح، و أسير على الألسن و أذكر، و أولى بأن تعلّقه القلوب و أجدر.
و مثاله في القرآن قوله تعالى- في وصف المؤمنين الّذين ثبتوا على الإيمان و الجهاد في سبيله صفّا كأنّهم بنيان مرصوص-: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ[١].
فقد شبّه صلابة الإيمان بزرع نما فقوي، فخرج فرخه من قوّته و خصوبته، فاشتدّ و استغلظ الزرع، و ضخمت ساقه و امتلأت، فاستوى و ازدهر. الأمر الّذي يبعث على الابتهاج و الإعجاب من جهة، و إغاظة الكفّار من جهة اخرى.
و قوله تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا[٢].
قال الزمخشري: يجوز أن يكون تمثيلا، لاستظهاره به و وثوقه بحمايته، بامتساك المتدلّي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه[٣].
فقد شبّهت عرى الدين بوشائج وثيقة تربط الأمّة بعضها ببعض، فكأنّ الشريعة المقدّسة حبل ممدود على طرف مهواة سحيقة، و الأمّة المتماسكة مستوثقون بعراها استيثاقا يأمن جانبهم من أخطار السقوط و ينجيهم من مهاوي الضلال.
و قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ[٤] شبّه الهدى بالنور، و الضلال بالظلمات، و الاهتداء بحالة الخروج من الظلمات إلى النور.
[١] الفتح ٤٨: ٢٩.
[٢] آل عمران ٣: ١٠٣.
[٣] الكشّاف ١: ٣٩٤.
[٤] البقرة ٢: ٢٥٧.