التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٣ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
القرآن، خارجة من مخارجها الشحيحة، من نظم تلك الحروف و رصفها و ترتيب أوضاعها فيما بينها: هذا ينقر، و ذاك يصفر، و ثالث يهمس، و رابع يجهر، و آخر ينزلق عليه النفس، و آخر يحتبس عنده النفس. فترى الجمال النغمي ماثلا بين يديك في مجموعة مختلفة و لكنّها مؤتلفة، لا كركرة و لا ثرثرة، و لا رخاوة و لا معاظلة، و لا تناكر و لا تنافر، و هكذا ترى كلاما ليس بالبدويّ الجافي و لا بالحضريّ الفاتر، بل هو ممزوج مؤلّف من جزالة ذاك و رقّة هذا، مزيجا كأنّه عصارة اللغتين و سلالة اللهجتين.
نعم من هذا الثوب القشيب يتألّف جمال القرآن اللفظي، و ليس الشأن في هذا الغلاف إلّا كشأن الأصداف، تتضمّن لآلي نفيسة، و تحتضن جواهر ثمينة. فإن لم يلهك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفين، و لم تحجبك بهجة الستار عمّا وراءه من السرّ المصون، ففليت القشرة عن لبّها، و كشفت الصدفة عن درّها، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى تلك الفخامة المعنويّة، تجلّى لك ما هو أبهى و أبهر، و لقيت منه ما هو أبدع و أروع. تلك روح القرآن و حقيقته، و جذوة موسى الّتي جذبته إلى نار الشجرة في شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة، فهناك نسمة الروح القدسيّة: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ[١].
و قال الأستاذ الرافعي: كان العرب يتساجلون الكلام و يتقارضون الشعر، و كان أسلوب الكلام عندهم واحدا: حرّا في المنطق و جزلا في الخطاب، في فصاحة كانت تؤاتيهم الفطرة و تمدّهم الطبيعة، فلمّا ورد عليهم أسلوب القرآن رأوا ألفاظهم بأعيانها متساوقة، ليس فيها إعنات و لا معاياة. و وجوه تركيبه و نسق حروفه و نظم جمله و عبائره، ما أذهلهم هيبة و روعة، حتّى أحسّوا بضعف الفطرة و تخلّف الملكة. و رأى بلغاؤهم جنسا من الكلام غير ما هم فيه، رأوا حروفه في كلماته، و كلماته في جمله، ألحانا نغميّة رائعة، كأنّها لائتلافها و تناسقها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها، فلم يفتهم هذا المعنى و كان أبين لعجزهم.
و كلّ الّذين يدركون أسرار الموسيقى و فلسفتها النفسيّة يرون أن ليس في الفنّ العربيّ بجملته شيء يعدل هذا التناسب الطبيعي في ألفاظ القرآن و أصوات حروفه. و ما أحد يستطيع أن يغتمز في ذلك حرفا واحدا. و القرآن يعلو على الموسيقى؛ إنّه مع هذه الخاصيّة العجيبة ليس من الموسيقى.
[١] القصص ٢٨: ٣٠. راجع: النبأ العظيم للأستاذ درّاز: ٩٤- ٩٩.