محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٠ - الخطبة الثانية
وقد يكون أمر آخر وراء خذلان المقدّسات؛ وهو أن تميل الأمة إلى الدنيا، وأن تتشرّب بحبّها، وأن تعظُم أشياؤها في نفسها فيهون عليها أن تخون مقدّساتها من أجل المال، من أجل الدنيا، من أجل البقاء.
والأمة التي تغفو مرّة، وتستيقظ أخرى تُؤكل، ولايمكن لها أن تحتفظ بأرض، ولا بثروات، ولا بوجود ولا مقدّسات.
وهناك عنجهية صهيونية لاتقف عند حد، إلا أن يكون الردّ عليها قويّاً بالغا حاسماً، واقتحامات المواقع المتقدمة للأمة من قبل الصهيونية في وتيرة متصاعدة، والسكوت على العدوان يُغري بعدوان آخر.
وما من عدوان سكتت الأمة عليه إلا واستتبع عدوانا آخر أكبر منه، وبقدر ما يُعطي موقف التخاذل في نفس الأمة من تراجع يعطي في نفس العدو ثقة أكبر بنفسه، وعزما أشد على العدوان، ومضيّا أكبر في طريق تنفيذ أغراضه.
وهل تملك الأمة بجماهيرها ونخبها أن تُقدِّم شيئاً في معركتها مع الصهيونية؟ قد يُعتذر بأن الإمكانات والقدرات إنما هي بيد الأنظمة الرسمية. هذا العذر هل يُقبل عند الله تبارك وتعالى لأن تُعطي الأمة نيابة مطلقة للأنظمة الرسمية عنها في معركة من معارك المصير؟ وفي قضية من قضاياها الكبرى؟ هل الأمة تحوّلت إلى صفر في قبال الأنظمة الرسمية؟ ووجودها ليس شيئا إلا بالأنظمة؟ أم أن الأمة وجود كبير عملاق يمكن له أن يضع حتى الأنظمة على الطريق؟ الصحيح هو الثاني وليس الأول.
الأمة إذا صحّت إرادتها، وإذا استيقظ ضميرها فرضت إرادتها على الأنظمة إذا خارت إرادة الأنظمة، أو إذا انحرف بها الطريق. واستطاعت أن تفرض إرادتها ونفسها على الآخر من خارج هذه الأمة.