محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٧ - الخطبة الأولى
يظهر الحق للنفس، وتتجلى آياته، ويبين أوضح من نور الفجر والصباح، إلا أن الإذعان لهذا الحق يتطلّب أن تسجد النفس لله، وتتنازل عن غطرستها وكبريائها فإن متغطرسة يكبر ذلك عليها، وتستكثر الأمر فلا تملك إلا أن تكفر بالحق وهو ظاهر.
وهذه نفس لا تصلح، ولا تستقيم، وليس لها من مقرّ في الآخرة إلا النار. هذه نفس بينها وبين الإيمان بالحق حجاب سميك، وجدار عريض، لا ينفذه نور، ولا يؤتى من ظلمته في النفس.
(... أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ) ١٤ وفي الآية الأخرى (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها) ١٥. الامتحان ليس في التسليم للحق وهو يوافق هوى النفس، إنما الامتحان في أن أسلّم للحق، والنفس من حيث هواها في اتجاه آخر.
فتكذيب الرسل، وقتل للرسل من منطلق الاستكبار كما تقول الآية الكريمة. ثم انظر إلى قول الله عز وجل (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ...) وكلام الله صدق، وإذا صرف الله عز وجل نفسا عن الحق لم تجد له سبيلًا، والله لا يصرف نفسا عن الحق إلا من باب الجزاء المستحق، ومن بعد أن تهرب النفس عن الله عز وجل ومن هداه على عمد، وربما تكرر منها ذلك.
الصرف عن الآيات قد يكون- وهو المستقرب- بقانون طبيعي بين مستوى النفس، قدرتها على التسليم بالحق، وبين التسليم الفعلي به، وكلما فقدت النفس من هداها، وكلما فقدت من إمكانية قبولها للحق عن طريق الاستكبار كلما بعدت مسافات عن الحق وعن رؤيته، وعن التسليم به بعد رؤيته.