محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٤٨ - الخطبة الأولى
تقول الكلمة عن الكاظم عليه السلام:" إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب، وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض" ٤.
هناك حاجات في الدنيا لابد منها، وضرورات لايستطيع الحي إهمالها، ويوجب الإسلام حفظاً للحياة السعي للتوفّر عليها.
هناك مأكل يتقوّم به الجسد، ومشرب كذلك، وملبس يحفظ الحياة، ومسكن يأوي إليه الإنسان ليستره، ويقيه عن حرّ وبرد.
وهناك أمور أخرى تتصل بمثل هذه الحاجات أو تشبهها أو تقاربها وهي مطلوبة، والكدّ من أجل التوفر عليها يجب على القادر، خاصة إذا لم يكن له مايقوّم حياته منها إلا عن طريق الكد.
لكن هناك من أشياء الدنيا ماهو فضول ونافلة، لايضر غيابه، وفقده لايثلم الحياة. العقلاء يتركون فضول الدنيا، والتزيُّد فيها، لايطلبون تزيّداً في الدنيا، لاينغمسون في الدنيا حتى في حلالها. مافضل عن وقت يصرفونه في طلب حاجات الحياة وضروراتها وكمالياتها التي يمكن أن تدخل في منفعة الإنسان، وتستوي بحياة الشخص بمستويات الآخرين مما يتطلّبه الوضع الاجتماعي، ما فضل عن ذلك تراهم ينفقونه وكل تفكيرهم وجهدهم في بناء أنفسهم، وفي بناء مجتمعهم، في إحقاق الحق وإزهاق الباطل.
" إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب" هؤلاء يسميهم الإمام الكاظم عليه السلام عقلاء لأنهم تركوا الأدنى من أجل الأعلى، وطلبوا الباقي بدلا من الفاني. الفضول من الدنيا لن ينفعهم في شيء، إذا كانت الحاجات الضرورية ومايقاربها لابد للإنسان منها، والتوفّر عليها تنفعه، فإن الفضول والتزيّد لن ينفعه بشيء، فمن العقل أن ينصرف عما لاينفعه إلى ماينفعه. أي عقل هذا؟ إنه من عقل الحكمة، وهو رشد والرشد إلى الخيارات الصائبة.