محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٣ - الخطبة الأولى
ومن وصايا أمير المؤمنين عليه السلام لابنه الحسن كما في الخبر عنه" أكثِر ذكر الآخرة، وما فيها من النعيم والعذاب الأليم فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويصغّرها عندك، وقد نبأك عنها ١، ونعت لك نفسها" والنبأ عنها أنها دار الغرور، ودار الفناء، وإنها لتنعى نفسها بما يفنى ومن يفنى فيها، وبصحة تتحول إلى مرض، وقوة تنتهي إلى ضعف، وعزٍّ إلى ذل، وحياة تؤول إلى ممات.
وعن العسكري عليه السلام" لو عقل أهل الدُّنيا خرِبت".
لو عقِل أهل الدنيا قيمة دنياهم، وما عليه شأن الآخرة، وغفلوا عن التكليف بعمارة هذه الحياة وحدود الزهد الذي خطط له الإسلام ورضيه لخربت الدنيا. والزهد في الإسلام زهدٌ لايشل حركة الحياة، ولايعطّل دور الإبداع، ولا ينصرف بالنفس عن طيبات الرزق التي تنفعها، ولايمنع النفس استيفاءها لما يبنيها، وييسّر حركة نموها وكمالها. هو زهد يجعل الكبير مما في اليد أو خارجها من أشياء الدنيا أصغر من قيمة النفس، وأقل شأناً من أن يأسرها.
زهد لاتصغر به الحياة، وإنما تكبر به النفس. كلما كبرت الحياة وعظم الإنتاج فيها، وازّيّنت، وازدهرت، وتقدمت كلما كانت النفس التي بنتها أكبر، وكلما كان المستقطب لهذه النفس هو ربّها تبارك وتعالى لا ما بنته يد الإنسان وأبدعه فكره.
من نتائج الزهد:
١) زيادة في البصيرة:
" يا أبا ذر ما زهد عبد في الدنيا إلا أنبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، ويبصّره عيوب الدنيا وداءها ودواءها وأخرجه منها سالما إلى دار السلام".
الشيء الذي نأخذه من هذا الحديث الشريف هو أن ارتباط القلب بالدنيا، وانشدادها إليه يحدث فيه أثرا سيئا، يحدث فيه عمى، يصم السمع، يعمي البصر، يُطفئ نور البصيرة،