محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٢ - الخطبة الأولى
وهذه طائفة من النصوص الواردة عن المعصومين عليهم السلام في الربط بين الزهد بمعناه الإيجابي الكبير وقد تقدّم شيء من معناه في الأسبوع السابق، وبين الرؤية الإيمانية التي تعطي للأمور والقضايا أوزانها الحقيقية لا تتزيد فيها ولاتبخسها من حقِّها شيئاً:
عن الصادق عليه السلام:" فيما ناجى الله تعالى موسى عليه السلام" إن عبادي الصالحين زهدوا فيها بقدر علمهم بي، وسائرهم من خلقي رغبوا فيها بقدر جهلهم بي وما من أحد خلقي عظّمها فقرّت عينه ...".
كلما رأى الإنسان جمالًا أروع، وقدرة أكبر، ووجوداً أعظم، وحياة أشد وأسمى كلما أنساه ما رآه من ذلك ما هو دونه؛ فالدُّنيا عظيمة في قلبٍ لم ير الآخرة، وكل من عدا الله وما عدا الله كبير حتى يعرف القلب الله فلا يعظُم عنده شيء مثلَه، ولايشتغل بذكر كذكره. فتفاوت الجمال يجعل الجميل منسيّاً عند معرفة ما هو أجمل، وكم شغل علم عن قصر، وعبادة عن معاش، وصرف شعور بلذة الإحسان عن طلب الحِسان؟!
والدنيا تشقي محبّيها، وتهبط بنفسيتهم، وتغلبهم على أنفسهم، وتهوي بمستوى إرادتهم، وتثير فيهم روح جشع لاتملك أن تستجيب له، فينقلبُ ذلك حسرة قاتلة، وندامة مهلكة، وهي سراب يجد الراكضون وراءه من الواهمين في الأخير أنفسهم أنهم قد خسروا الحياة التي بذلوها سعياً إليه وتعباً ورهقاً من أجله.
وعن علي عليه السلام:" أصل الزهد اليقين، وثمرته السعادة".
فاليقين يشدّ النفس إلى الله، ويملأ القلب بجماله، ويجعل تطلّعه إليه، وتقديسه له، وشغفه به، فلا تقوم لشيء عظمةٌ فيه كما لله، ولايدخل فيه حب بسعة وعمق وصدق كحبه لله، ولايلفت نظره شيء كما هو جمال الله وجلال الله. وصاحب اليقين يرى الآخرة ونعيمها وعذابها، وليس كنعيم الآخرة نعيم، فلا ينال نعيمٌ آخر رغبة في نفسه كذلك النعيم، وليس كعذابها عذاب فلا يرهب من عذاب رهبته من ذلك العذاب.