محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨١ - الخطبة الأولى
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وهب لنا ولهم من لدنك رحمة وقنا عذاب النار. اللهم اجعلنا لانقبل عنك بدلًا، ولانعدل بك أحداً، ولا نرضى عن دينك متحوّلًا ياأرحم الراحمين، وياأكرم الأكرمين.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فهذه عودة للحديث عن الزهد الذي هو خلق من خلق القوة، وقوة من قوة الإرادة والعزيمة والصمود، ومستوى رفيعٌ من مستويات النفس العالية، وغنى كبيرٌ من غنى الذات. ولتكن هذه المتابعة للموضوع تحت أكثر من عنوان مما يتسع إله الوقت:-
رؤية مبصرة:-
تقف وراء أخلاقية الزهد رؤية مبصرة، ونظر صائب دقيق لأمهات من القضايا تُمثل الأساس في صوغ النفس وحركة الحياة.
يقرر هذا النظر أن الغنى بالصلة بالله أكبر من الغنى بالمال، ومن أهل المال وأي شيء آخر، وأن للبدن حاجات، وللروح حاجات، وحاجاتُ البدن لبنائه، وحاجات الروح لحياتها والأخيرة هي التي بها سمو الإنسان، ومايزيد على حاجات البدن مفسد له وللروح معاً، وحاجات الروح لاتنقضي ومتطلباتها ليس من بينها في القاعدة هدم البدن، وأن الإنسان في روحه ومعناه لا في جسمه ومادته، والبقاء للآخرة لا للدنيا، وللرح لا للبدن، وفي التزيد من الدنيا مشغلة للنفس مرهقة مشقية، وفي التبذّخ في طعامها وشرابها مقتلة قاضية. وفي التراكم المادي حساب، وفي نمو الروح وسمو المعنى نجاة وحسن مآب.
وخلفية هذا النظر معرفة مطمئنة بالله تنبثق منها بصيرة مهتدية بالأمور والأشياء والقضايا تجعل الهدف جليّاً، والطريق واضحاً، والمقاييس دقيقة، والمواقف منضبطة.