محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٨ - الخطبة الأولى
وحينما تُصادق شخصاً فأنت لاتصادق جسدا، وإنما تُصادِقُ عقلًا وروحاً ونفساً، وأخلاقاً وطبعاً، وخبرة وتجربة، نحن لانصادق لحماً ودماً، وإنما نصادق إنسانية إنسان، وفي العادة أن الصديق في إنسانيته من مستوى صديقه. وعلينا أن نبحث عمن يمكن لنا أن نتعاطى معه في الخلق والخبرة والتجربة، وأن نلتقي معه روحيا ونفسيا وعقلياً.
إن الصديق سيمدك مما يملك، وستمده مما تملك، فانظر ماذا تريد أن تسترفد من صديقك، ولينظر صديقك ماذا يريد أن يسترفد منك. ماذا يستطيع أن يعطيك صديقك، وماذا تستطيع أن تعطي صديقك.
وهناك أثر مصيري لصداقة الأصدقاء، فاحذر أن تصادق، وأن تنتمي، وأن تلتصق بحزب سيء، بفئة سيئة، باتجاه فكري منحرف، بجماعة منحلّة، بمؤسسة لصيقة.
تقول الآية الكريمة (وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ٥.
لو كانت لهم كرّة، وكانوا من المؤمنين لما اختاروا لو أحسنوا في صداقتهم، وفي انتمائهم غير صف المؤمنين، وغير نوع المؤمنين. يتمنى المجرم أن لو كان له صديق حميم ممن يُنقذ، فلو كان له صديق حميم ممن له أهلية الإنقاذ لكان ورقة رابحة في يومه. يتمنّى الشافع فلا يجد، ويتمنى الصديق الحميم المنقذ فلايجد، لأن أصدقاء السوء ليسوا من الأصدقاء المخلصين ولأن أصدقاء السوء ليسوا أهلًا للشفاعة.
(قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَ لَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) ٦.
كان له صديق في الدنيا محاولته معه أن يُبعده عن خط الله، أن ينحدر به عن الصراط المستقيم، أن يربطه بانتماءات أرضية منحرفة، أن تكون منتدياته، وأن تكون لقاءاته مع