محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٩ - الخطبة الثانية
حكم غيرهم لقرون، ولم يقودوا ثورةً ضد أنظمة الحكم التي عايشوها، ولم يسجّل عليهم أن حاكوا مؤامرةً للاطاحة بها. وثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت لخصوصيةٍ في يزيد وحكمه، الذي كان يهدد الإسلام والمسلمين بالمحق الكامل، ولما أراده من إكراه الإمام الحسين عليه السلام على البيعة، وما كان عليه وضع الأمة من الاقتراب إلى الهاوية. والحسين عليه السلام نفسه لم يسمع لمن أراده أن يثور على حكم معاوية. والأئمة إثنا عشر، والثائر منهم على الحكم المخالف هو إمامٌ واحد، والإمام الثائر سيرته حجة، والأئمة الآخرون سيرتهم حجة.
وحين يهدّد الإسلام، ويعمل أي نظامٍ على اقتلاعه من جذوره، فحينئذٍ لا يتوقف شيعيٌ ولا سنيٌ عن الثورة ضد ذلك النظام.
أما في الظروف العادية فإنه كما يمكن للسنيّ أن يتعايش مع الأنظمة القائمة بإذنٍ من مذهبه، فكذلك يمكن للشيعي أن يتعايش مع الأنظمة القائمة بإذنٍ من مذهبه. وفي سيرة المعصومين عليهم السلام حجةٌ قاطعةٌ، وهي ثابتةٌ في هذا المجال.
ثالثاً: قد عايشت المرجعية الدينية والحوزة العلمية في النجف الأشرف أنظمة الحكم المختلفة في العراق، ومن المذهب الآخر، ولقد كانت المرجعية والحوزة مسالمةً لتلك الأنظمة، ولم يكن تحركٌ ولا مواجهاتٌ إلا عندما طغى الكيل وبلغ سيل الظلم، والاضطهاد، والتشريد، والقتل الزبى على يد صدام، الذي ضاق به في آخر المطاف ذرع الأشقاء والأصدقاء من الدول المجاورة وغيرها، ممن كانوا يدعمونه ويناصرونه، ولا يمكن أحدٌ إلا أن يدافع عن نفسه بعد أن يهدد فيها.
وحتى ثورة السيد الإمام الخميني أعلى الله مقامه، في قبال الشاه، كانت عند مفترق طرق، حيث أراد الشاه أن يبيع إيران، أو قد باعها بالكامل على أمريكا، وجعل نفسه حرباً على الإسلام وأهله، وكانت محاولته اجتثاث الإسلام من جذوره.