محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٧ - الخطبة الثانية
وبقي على الحكومة أن تطمئن الشعب على اهتمامها فعلًا بأمر معيشته، ورعاية حقوقه السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها، وتطمئن أهل كل دينٍ على دينهم، وأهل كل مذهبٍ على مذهبهم. ولن تجد من حرية المذاهب واستقلالية قرارها في رعاية شؤونها ومصالحها الدينية ما يضر بأمنها.
بينما- وللأسف الشديد- يقوم الفساد الإداري، والمالي، والبطالة، وغياب التأمين المعيشي للعاطلين والعاجزين، والتجنيس والتهميش السياسي للشعب، على مستوى الدستور، والتدخل في الشؤون المذهبية، ومضايقة الشأن الديني عامة، شواهد حيةً صارخةً على عدم وفاء الحكومة بتعهداتها لحد الآن.
وعلى الحكومة أن تفرق بين أمرين، الفرق بينما شائعٌ جداً، وهما: المطالبة بالحقوق المتفق عليها والتي لابد منها، ثم تهديد النظام، فلا ترتقب من الشعب أن ينام عن حقوقه، ولا فخر في حكم شعبٍ لا يعي حقوقه ولا يطالب بها. وأمَّا تهديد النظام فلا أراه من نية حتى أكثر المتشددين في المطالبة بالحقوق.
ولو شذّ شاذ في هذا المجال- ولا أراه- فإنه سيبقى على شذوذه ولشذوذه. وقد أعطى الناس التطمين الكافي من هذه الجهة في قضية الميثاق، وما أعقبه من مسيرات التأييد والتأكيد كما تقدم، ولازال الناس مستعدين أن يعطوا التطمين من هذه الجهة.
ولألامس وتراً أكثر حساسيةً في الموضوع المطروح، وهو أن النظام ربما عاش هواجس خاصةً من الفكر السياسي الشيعي، بما فيه من مسألة الإمامة وولاية الفقيه، مما قد يفكر بأنه لا يستقيم مع تقبّل الحكم الوراثي في البلد، وقبل معالجة هذا الأمر المثير للحساسية جداً، لابد أن نلتفت إلا أن الفكر السياسي السني يرتبط بالخلافة الراشدة وشروطها، وأن الفكر الديمقراطي لا يقبل بتعيين الحكومات، ولا يصلح قاعدةً في أفقه الواسع، ومعناه العميق، قاعدةً للحكم الوراثي، ولا يعتبر الشرعية لما تفرضه لغة الأمر الواقع.