محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٦ - الخطبة الأولى
تغضب الله أو ترضي الله.
أكل مال اليتيم تعرف النفس أنه أكل، وتعرف له صفة خاصة وهو أنه فجور، والنفس تعرف هذا قبل أن يأتي التشريع، ولا تساوي نفس إنسانية لم تُطمر تحت التراب بين ما هو أكل لمال اليتيم، وبينما هو أكل من كسب اليد وعرق الجبين.
مباشرة رجل لامرأة تعرفهٍ النفس الإنسانية بعنوان أنه مواقعة، ثم تضيف إلى ذلك صفة تتوفر عليها عالمة وهي أن مباشرة زوجة الآخر فجور، وأن مباشرة الشخص لزوجه من التقوى.
النفس لا يختار المفسرون المحققون أنها رُكِّب فيها ما هو فجور وما هو تقوى، وإنما النفس أُلهمت وأُعطيت الإراءة والتمييز والقدرة على الفرز الإدراكي والشعوري على مستوى ما يُسمى بالعقل العملي أو ما قد نسميه بالضمير الخلقي الحي بين ما هو فجور وما هو تقوى.
وإلهام النفس فجورها وتقواها رسول في الباطن، والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله عقل في الظاهر، النبي محمد صلى الله عليه وآله جاء عقلا دقيقا هادياً، والفطرة في النفس غُرست رسولًا دليلًا على الطريق، ورسول الباطن وعقل الظاهر لا يتهافتان ولا يتناقضان ولا يتعاكسان مطلقا. الرسول من الله يستنطق فطرة الخير ويستثيرها، والفطرة تدل على الرسول.
والفطرة رسول لا يموت، ولا يمكن وأده. الفطرة تبقى في تركيب الإنسان لأنها جزء من تركيبه وجزء من ذاته، جزء من هويته الأصل، فلا يمكن أن تموت أو تقتل. نعم يمكن أن يشوّش عليها، يمكن أن تقوم أمامها وأمام ما هُيئّت لرؤيته سحب من ذنوب، وسحب من رذائل يرتكبها هذا الإنسان، لكنها وبين حين وآخر يرتفع لها صوت، وتحتج على الإنسان الذي يلتوي في فكره وفي شعوره وفي سلوكه.