محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٧ - الخطبة الأولى
والفطرة وهدى النفس فجورها وتقواها رصيد بيد المربين المخلصين، وأصحاب كلمة الحق، ومسلك الحق، فهم إذ يخاطبون الإنسان بالحق وبالهداية لا يخاطبون حالة فراغ فيه وإنما يخاطبون رصيداً فطريا يمكن لهم أن يستثمروه في هذه العملية.
٦. ماهو المقسم عليه في الآيات الكريمة؟
هذه القضية المركزية المهمة جداً قضية الحياة، وقضية الآخرة، قضية المصير الكبير، قضية يتلخّص فيها معنى الإنسان وجودا وحياة، فإما أن يكون الوجود الساقط الحقير، وأما أن يكون الوجود الراقي الكبير.
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها).
ما هو الفلاح؟ الفلاح أن تشق الطريق إلى الغاية فتبلغها، وهناك غايات تفصيلية، وأهداف جزئية صغيرة في الحياة، ملايين من الأهداف قد نقصد إليها في حياتنا بصورة تفصيلية، والهدف الكبير الواحد لحياتنا هو أن يكتمل هذا الإنسان، أن تبلغ إنسانيته نضجها الفعلي، ولا كمال ولا نضج بالفعل للنفس البشرية إلا أن تُصنع النفس في ضوء أسماء الله الحسنى، وأن تتخلق هذه النفس بشيء من خلق الكامل المطلق الكريم تبارك وتعالى.
وفلاح النفس يكون في داخلها قبل أن يكون فلاحها بأن تتمتع بأشياء من الخارج. ما معنى أن تفلح النفس؟ أن تنجح في ذاتها، ونجاحها بأن تعظم، بأن تكبر، بأن تنضج، بأن تهتدي، بأن ترشد، بأن تتوفر على رؤية كونية حقيقية، بأن تشعر في داخلها بالمعنى الكبير، بالذات السامية، بالسعادة، وإذا لم تصنع النفس في داخلها فهل يمكن لها أن تتوفر على ذلك وإن دخلت الجنة؟
جنة النفس في داخلها فكرا نيّرا، وشعورا طيبا، ورضا وهداية قبل أن تكون جنة النفس حورا من الحور العين، وأنهاراً وجمالا خارجياً.