محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٩٧ - الخطبة الأولى
من كان كل ملقه لله سبحانه وتعالى، وكل تقرّبه إليه" صانع وجها واحدا يغنك عن بقية الوجوه". المصانعة في هذا الاستعمال بمعنى الاسترضاء، وهل هناك من يُصانع المصانعة الحقيقية النابعة من القلب، والتي تقوم على الخضوع، وتقوم على الاستسلام، وتكون بما يليق فتغني مصانعته عن كل أحد غير المصانعة لله؟! لن تجد.
قال الله سبحانه:" إذا علمت أن الغالب على عبدي الاشتغال بي نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي فإذا كان عبدي كذلك فأراد أن يسهو حلتُ بينه وبين أن يسهو، أولئك أوليائي حقا، أولئك الأبطال حقّا" أبطال لأنهم حققوا النصر في أكثر الساحات تحدّيا، وفي أدوم الساحات صراعا، وفي أشد الصراعات حربا، هم الأبطال الحقيقيون، البطولة ليس أن تصرع غيرك وأن تكون مهزوما لداخلك.
في الغلبة الأولى قد لا تحتاج إلَّا إلى قوة عضلات مع شيء يسير من الإرادة، وفي الساحة الثانية تحتاج إلى إرادة مقاومة مستمرة، قوية فولاذية، وتحتاج إلى نباهة ويقظة دائمة، ومواصلة كفاح، وإلى فكر، وعلم، وخبرة، وحضور مستمر، وإرادة طاغية. حتى تنتصر في معركة الداخل تحتاج إلى كل ذلك.
هناك بطولة خمس دقائق يمكن أن تحقق لك نصرا. في معركة الخارج لو كانت لك بطولة خمس دقائق يمكن أن تحقق لك نصرا ساحقا، أما في معركة الداخل وهي معركة العمر، معركة الليل والنهار، معركة الإسرار والإعلان فأنت تحتاج إلى أن تكون قويا في كل لحظاتك، وأن تكون منتبها في كل آناتك فأين المعركة الأولى من المعركة الثانية؟!
وتريد أن يكون الله وليك بحيث لا يدعك لشهواتك ونزواتك وضعفك وتأثيرات الشيطان والهوى والنفس والخارج؟! اذكر الله سبحانه، وجهاد النفس بأن تنشغل بهذا الذكر ما استطعت وتنقل شهوتك من الدنيا ومن كل ما فيها إلى ذكر الله، والاشتغال بالثناء عليه سبحانه وتعالى، بهذا تكون القوي بعناية الله، ورعاية الله" إذا كان الله معي فمن