محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٩ - الخطبة الأولى
لله، وللآخرة، وللذات نسيانا وقتيا، نسيانا جزئيا، وفي مساحة محدودة مما ينبغي أن يذكر، ويمكن أن يكون النسيان مستوعبا إلى حد أن يتحول بصاحبه إلى جهل كامل، كذلك هو الذكر على مراتب، فمن الذكر مرتبة عالية ومنه ما هو مرتبة أعلى. فعن الصادق عليه السلام:
" الذكر ذكران: ذكر خالص يوافقه القلب، وذكر صادق ينفي ذكر غيره".
هناك لقلقة لسان لا تُعدّ ذكرا، وهناك درجة من الذكر تنفي ذكر غير الله، ولا تمثل ذكرا حقيقيّاً لله، ولكن تمثل نوعا من الاتجاه الإجمالي الضبابي الغائم لله سبحانه وتعالى؛ هذا الذكر وإن لم يمثل ذكرا حقيقيا لله سبحانه وتعالى إلا أنه يصرف عن ذكر غيره، وانصراف القلب عن ذكر غير الله فيه درجة من النجاة ويبقي القلب مستعدا بدرجة أكبر لذكر الله سبحانه وتعالى.
أما إذا حل ذكر غير الله محل ذكر الله في القلب فهنا الخطر الشديد.
أما الذكر الآخر فهو ذكر يوافقه القلب، يعيشه القلب، يحيا به القلب، يرى به القلب الرؤية الحقيقية، القلب فيه موصول بالله سبحانه وتعالى، يتغذى ويتربى، ويتزكى على ذكر الله وأسمائه الحسنى، يستمد ثقته، يستمد طمأنينته، يستمد قوته، يستمد معناه الكبير من ذكره لله سبحانه وتعالى.
ثمّ في حديث آخر عن علي عليه السلام:" لا تذكر الله سبحانه ساهيا لا هيا، ولا تنسه لاهيا- بلا ذكر أصلا- واذكره ذكرا كاملا يوافق فيه قلبك لسانك، ويطابق إضمارك إعلانك، ولن تذكره حقيقة الذكر حتى تنسى نفسك في ذكرك" حين يذكر العبد المُخلص لله سبحانه وتعالى أو الذاكر ذكرا حقيقيا لله سبحانه وتعالى فهو لا يرى إلا شيئاً واحداً؛ يرى الله سبحانه، يرى العظمة الحقيقية، يرى الكمال المطلق، الفاعلية الواحدة الشاملة، الإرادة الواحدة الطليقة، العلم الواحد المستوعب، الحياة الواحدة الكاملة، الجمال