محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨ - الخطبة الأولى
الثروة البترولية، أو في الأرض أو في أي كنز من كنوز الأرض .. لا يرى أن له التصرف المستقل الذي يرجع إلى رأيه الشخصي، إنما يرى أنه عبد لا يتصرف في شيء من الأشياء إلا بإذن ربه وبمراجعة الشريعة. الحاكم الذي يرى أن له أن يتصرف في الأشياء تصرفاً مستقلًا، بلا مراجعة للشريعة .. ينصِّب نفسه رباً، ويعطي لنفسه موقع الاستقلالية في التصرف؛ لما وراء ذلك من شعور كاذب بالملكية الذاتية، أو لما وراء ذلك من غفلة عن ملكية الله سبحانه وتعالى لكل ما خلق.
٤- أمر الله عز وجل موسى (ع) أن يطرح على فرعون هذا السؤال:" هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى"؟ سؤال هادئ ليس فيه فرض التزكية على فرعون، إنما يقول له هل لك رغبة- كما يفسرون-؟ هل لك إرادة؟ هل لك ميلُ أن تتزكى؟ لكن هذا السؤال الهادئ، هو سؤال هادرٌ في نفس الوقت .. مثير .. فيه صدمة عنيفة لكبرياء فرعون! فرعون الذي يريمن نفسه أنه رب .. والذي تتعامل معه البطانة وكثير من شعبه وأمته على أنه رب .. يحتاج إلى أن يتزكى؟ إلى أن يتطهر؟ يتزكى من رجسه؟ يتزكى من نجسه؟ يتزكى من طغيانه؟ يتزكى من جهله؟ يتزكى من كبريائه؟ يتزكى من ظلمه؟ يتزكى من تعنته؟
مواجهة فرعون بعرض التزكية عليه .. يعني أنه يعيش في حالة من الرجس، وهو فعلًا يعيش حالة عميقة سيئة من وحَل الرجس. إذا كانت قذارات البدن تُنفّر وتعيب؛ فإن من استيقظ يرى من قذارة روحه ما هو أكثر عيباً. حينما يهبط الوعي ويهبط الشعور لا نرى إلا قذارات البدن .. وحينما نستيقظ فكراً وشعوراً ونفيق على إنسانيتنا .. نرى من عيوب الروح الكثير، ونرى أن عيب الروح بشاعته أكبر.
فرعون برغم مركزه المتقدم وغناه، وبرغم ما قد يكون له من وعي سياسي، ومن قدرة على إدارة المجتمع، والتقدم الاقتصادي به، برغم ما قد يكونه له من ذلك .. إلا أن موسى (ع) يأتيه بأمر الله عز وجل يعرض عليه أن يتزكى! لأن إنسانية الإنسان ليست