محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤٨ - الخطبة الثانية
فهذه المشاريع ذات الطبيعة الخاصة التي تفرض عليها حاجتها لدعم العلماء ولدعم المؤمنين، والقاضية على مصلحة الدين لا يؤسسها ولا يشيدها ويثبتها إلا أن يلين لها البعض من العلماء لوجه وآخر، وإن يكن أحياناً بحسن نية، ولا تستطيع تلك المشاريع أن تملك الساحة، وتفرض نفسها على البقية إلا بجهد هذا النفر الذي يعطيها المباركة والدَّعم، ولا يمكن أن تقوم وتنتعش بعيداً عن هذا الدعم والإسناد والدعاية والترويج. وبذلك تكون مسؤولية العلماء في هذا المجال خطيرة إلى أقصى حدٍّ.
وليس من الصحيح أن نسهم في خلق واقعِ الضيق، والضعف، والتقزيم، والإضرار بالدين والمؤمنين وننادي بعد ذلك بأن على الآخرين أن يعترفوا بالواقع، وأن يذعنوا له، ويستجيبوا لمقتضياته.
كيف يكون لي أن ألفَّ حبل المشنقة حول عنقي وعنق الآخرين من اخواني المؤمنين، وأدعو عندئذ للاستسلام للواقع؟
ولنضرب مثلًا:
قُدِّم في الآونة الأخيرة عرض على الحوزة العلمية في النجف الأشرف بصرف رواتب شهرية لطلاب العلوم الدينية من الأوقاف الشيعية في العراق، والتي يترأسها أحد المؤمنين الغيورين على الإسلام، وكان الاقتراح من منطلق الحرص على المصلحة الإسلامية، وبلحاظ الظروف المعيشية الخانقة لطلاب العلوم الدينية هناك، فرفضت الحوزة أن تتقدم إلى المشنقة من خلال هذه الخطوة الأوليَّة التي لا يؤمن أن تجرَّ إلى خطوات. وهذا لا يعني التزمّت والتفريط في الفرص، وإنما يعني الاحتياط لسلامة الدين ومصلحته.
ففرق واسع بين أن تُسلَّم الأوقاف لِتصرُّف المرجعية هناك فتنفق منها على المصالح الدينية ما وسع الحكم الشرعي ذلك، وبين أن تكون الأوقاف مؤسسة حكومية يرتبط بها مصير الحوزة عن طريق الإنفاق وشروطه وموانعه التي تحددها السلطات.