محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٩ - الخطبة الأولى
(وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) ٣.
الإسلام يطالب أمة الإسلام ببناء قوة ضاربة، ولكن لا للعدوان، وأنت تفهمُ أن هذه القوة ليست عدوانية من قوله تعالى في الآية اللاحقة (وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ٤.
إذا كانت هناك قوى مادية ضاربة عدوانية في الأرض تتهدد الإيمان، وتستضعف الإنسان، وتناهض منهج الله، وتعمل بالفساد والإفساد في الأرض فلابد من أن تكون لدولة الإيمان قوة ضاربة في مواجهة تلك القوة لتردعها عن عدوانها.
أما حال أن يجنح الآخرون للسلم، وتنتهي عدوانية الطرف الآخر أو يُرى منه الجدُّ في الميل إلى السلم، وأنه يأخذ بروح السلم في مواقفه فإنه لا داعي للاستمرار في بناء القوة، بما يحوّل المسألة إلى عبث، ويشجع على الصراع وسباق التسلح، ولابد للأمة الإسلامية حينئذ أن تأخذ بالسلم لأن الأصل في الأمة الإسلامية أنها أمة السلام والأمن والازدهار في الأرض.
يوسف عليه السلام في خطابه لملك مصر: (قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ) ٥.
يوسف النبي عليه السلام يتقدّم لشغل وزارة المالية- إذا صح التعبير- لحفظ الاقتصاد المهدد بسبب سنوات القحط التي كانت تتهدد مصر وذلك لأنه يتوفر على ما لا يتوفر عليه الآخرون من كفاءة علمية وأمانة (... إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ...) شديد الحفظ،