شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٦١ - ٤ وَمَهْبِطَ الوَحْيِ
له: أيّها الحاج میرزا حسن! إذا ذهبت إلی أشرف[١] أبلغ تحيّاتنا إلی الحاج أشرفي وقل له: كما تكنس بيتك لتستقبل الضيوف نظّف قلبك ليعكس جمال الغيب.[٢]
[١] . أشرف: مدينة من توابع بهشهر شمال إيران.
[٢] . أصل هذه العبارة كان بيتاً بالفارسيّة، وهو:
آيينه شو! جمال پری طلعتان طلب
جاروب زن به خانه و پس، ميهمان طلب
والنّص المكتوب من قبل الحاج حسين فاطمي في كتاب جامع الدرر (ص٤٧-٥٠)هو كالآتي:
إنّ هذا العبد وأحقر العباد أنا حسين فاطمي، سمعت من جناب المستطاب الحاج الشيخ غلام علي فخر الأدباء والسّالك الطّهراني (الذي كان يعدّ من ثقات أخيار أهل طهران ومن متديّنيهم، وكان يقيم مجالس الوعظ وتبيين الأحكام الشّرعية طيلة الأُسبوع وكان مؤيّداً وموفّقاً فيه) فقد طلبت منه أن يكتب لي القصّة الآتية بقلمه ويدفعها لي، فقبل ذلك ودوّنها، وهي كالآتي:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، وبعد عشرين سنة من عمري في عام ١٣٢٢هـ .ق، تشرّفت بزيارة الأرض المقدّسة بصحبة المرحوم الميرزا الشيخ صديق الأطبّاء حاملين جنازة المرحوم ساعد الدولة التنكابني، وعند العودة ذهب الحاج صديق الأطباء من شاهرود إلى إستراباد وكنبد قابوس كي يقصّ على جناب الأمير والسّلطان ویصف له كیفیّة تعظیمه لموكب الجنازة واحترامها وخدمته للمتوفّى.
وأنا عدت إلى طهران مع رفاقي، وبعد مضي سنة واحدة وعودة المرحوم صديق الأطباء من إستراباد وسفره إلى مازندران ومكوثه في تنكابن ذهبت للقائه، وأثناء المحادثة ذكر لي القصّة بأنّ الحاج ميرزا حسن كان طبيباً في منطقة أشرف من أعمال بهشهر وكان لنا ماضٍ دراسي وزمالة في مدرسة المروي في طهران إلى أن انتهينا من المقدّمات وذهب كلّ منّا إلى الدراسات العليا في الطبّ، وإنّي أصبحت طبيب الفوج لساعد الدولة، والحاج ميرزا أصبح طبيب منطقة أشرف، وكنّا نتراسل إلى أن انقطعت الأخبار لكثرة الأسفار إلى حدود الدولة وثغورها ولم أكن أعرف عن زميلي السّابق شيئاً بعد، وكان أغلب ظنّي أنه مات نظراً لتقدمه في السن، إلى أن وصلت في سفري الأخير إلى منطقة أشرف قادماً من إستراباد، علماً أن عمره الشّريف عند سرد القصّة كان قد بلغ السّبعين، وقد أردت أن أعرف من بقي من الأحياء، فقيل لي: الطّبيب نفسه ما زال حياً، وقد تشرّفت بالحضور بين يديه ورأيت عليه آثار الشيخوخة وقد هزل جسمه ويمضي أيّامه بصعوبة بالغة، وبعد أن عرّفتُه نفسي وقصصت عليه أحداث السّفر تفضّل سماحته بسرد قصّة من وحي المناسبة فقال:
في إحدى السنوات ذهبت إلى الأرض المقدّسة (مشهد المقدّسة) وارتأيت قبل السفر تسوية اُموري وترتيب بعض أعمالي وكتابة الوصيّة، وعند ذلك ذهبت إلى المرحوم حجة الإسلام الحاج ملا محمّد علي (نوّر الله مرقده) المعروف بالحاج أشرفي، فأمرني أن أذهب إليه قبل الشروع بالسفر، وبعد مضيّ أربعة أيّام ذهبت إلى سماحته، فدفع إليّ ظرفاً قائلاً: ادفع هذه الرسالة إلى الإمام ثامن الحجج عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المعصومين آلاف التحية والثناء، وائتني بجوابه عند العودة.
ومن الطبيعي أنّني لم أتقبّل هذا الكلام، وما كنت أكُنّ لسماحته من التبجيل والاحترام، وما أرى فيه من( ( المقامات قد اختلف لديّ كثيراً؛ لأنّي رأيت طلبه هذا من تكاليف عامّة النّاس، غير أنّي لم أجرؤ على قول شيء لهيبته وسوء حاله المزرية، وودّعته مسافراً إلى مشهد المقدّسة، وألقيت الرّسالة في الضّريح المبارك.
وبقيت هناك عدّة أشهر ناسياً موضوع الرسالة وجوابها من الإمام، حتّى جاءت الليلة التي أردت الرجوع فيها إلى الدّيار فذهبت إلى المقام للوداع عند المغرب وبعد تأدية الفرائض وقضاء النوافل وأثناء القيام بالأعمال الخاصة بدأ خدّام المقام بإخراج الناس من المقام الشريف وهم يردّدون أشعاراً فقلت في نفسي متحيّراً: ليس هذا وقت إخلاء المكان من الناس وإغلاق الأبواب، إلى أن انتهيت من الصلوات كلّها ولم يبقَ حينئذٍ أحد في الصّحن الشريف وأروقة المقام الشريف، حينها هممت بالخروج، وإذا بي أرى رجلاً عظيم الشأن عليه آثار الوقار والسكينة عند الضريح عند رأس الإمام وهو يريد الخروج، إلى أن وصل إليّ فقال: أيها الحاج ميرزا حسن، إذا ذهبت إلى أشرف أبلغ تحيّاتنا إلى الحاج أشرفي وقل له:
كما تكنس بيتك لتستقبل الضّيوف نظّف قلبك ليعكس جمال الغيب.
وعندما انتهى من كلامه غاب عن بصري عند قدمي الإمام، فبدأتُ أُفكّر من يكون هذا الرجل العظيم جليل القدر؟ كيف ناداني باسمي وخاطبني بهذا البيت من الشعر وأمرني بإبلاغه إلى الحاج أشرفي؟ وكلّما نظرت إلى الجهة التي غاب فيها لم أكن أرى أحداً، فقمت من مكاني وبحثت عنه في أرجاء المكان الشّريف.
وفي هذه الأثناء التفتُّ إلى أنّه لم يتغيّر في المقام شيء والنّاس بين قيام وقعود، وشعرت بحال من الضعف وعدم القدرة على الحركة وكأنّه قد اُغمي عليّ، وحزنت كثيراً. وعندما استعدت قواي سألت الناس عما حصل قبل قليل، فبدت علائم الاستغراب على وجوههم من سؤالي، فتبيّن لي أنّني كنت في عالم المكاشفة، فازداد الحاج أشرفي في نفسي منزلة، وفي الوقت عينه كنت أشعر في نفسي بالضّعف وقلّة الحيلة، فعدت إلى أشرف سَحَر تلك الليلة دون أيّ ورقة، وذهبت مباشرة إلى بيت حجة الإسلام الحاج ملاّ محمّد علي أشرفي كي اُبلغه بجواب الإمام، وعندما طرقت الباب سمعت صوته المبارك من داخل المنزل وقد علم بقدومي قائلاً عن طريق الغيب: هل قدمت إلينا أيّها الحاج ميرزا حسن؟ تقبل اللّٰه أعمالك، نعم!
كما تكنس بيتك لتستقبل الضيوف نظف قلبك ليعكس جمال الغيب.
وا أسفاه! لقد أمضينا عمرنا، ولم نستطع تزكية النّفس كما ينبغي.