شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٣١ - ٥٩ فَعَظَّمتُم جَلالَهُ، وَأَكبَرتُمْ شَأنَهُ، وَمَجَّدّتُم كَرَمَهُ
المعرفة أسمى من المعرفة العقليّة والمعرفة العلميّة.
دور التوفيق في المعرفة الشهودية
إنّ المعرفة الشهوديّة وتقبّل حقائق العالم والوجود كما ينبغي، بحاجة إلى التوفيق الإلهيّ، وينال هذا التوفيق الذين تحمّلوا مصاعب هذه الطريق وطهّروا ذاتهم وباطنهم من ألوان الرجس والدنس ويطلبون المدد منه تعالى.
يُروى أنّ الإمام عليّاًّ علیه السلام علّم صاحبه المؤمن نَوفاً البكالي دعاءً يستطيع من خلاله رؤية الدنيا من منظار أولياء اللّٰه، نقرأ في الدعاء:
أسأَلُكَ بِاسمِكَ الَّذي ظَهَرتَ بِهِ لِخاصَّةِ أولِيائِكَ، فَوَحَّدوكَ و عَرَفوكَ فَعَبَدوكَ بِحَقِيقَتِكَ، أن تُعَرِّفَني نَفسَكَ لِأُقِرَّ لَكَ بِربوبِيَّتِكَ عَلىٰ حَقيقَةِ الإيمانِ بِكَ، و لا تَجعَلَني يا إلهي مِمَّن يَعبُدُ الاسمَ دونَ المَعنىٰ، وَ ألحظنِي بِلَحظَةٍ مِن لَحَظاتِكَ تُنَوِّرُ بِها قَلبِي بِمَعرِفَتِكَ خاصَّةً و مَعرِفَةِ أولِيائِكَ، إنَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَىءٍ قَديرٌ.[١]
بيّن هذا الدعاء أهمّ طلب يطلبه الموحّدون من اللّٰه عز و جل، فالذين آمنوا باللّٰه يطلبون منه أن يتجلّى لهم كما يتجلّى لخاصّة أوليائه وأحبائه، ويريد هؤلاء بلوغ تلك المرتبة التي يتلمّسون فيها بروحهم حقيقة الإيمان حتّى يؤمنوا باللّٰه ويعترفوا له بكلّ وجودهم وكيانهم بعيداً عن العبادة الاسميّة الحرفية، بل يدركوا حقيقة مفاهيم" اللّٰه أكبر" و" الحمد للّٰه" و"سبحان اللّٰه"، حينئذٍ وفي هذه المرتبة يستطيع الإنسان تعظيم جلال اللّٰه وتكبير شأنه وتمجيد كرمه.
من حكم العبادة هي معرفة اللّٰه الشهوديّة، وإذا ما نمت هذه العبادة بالنحو الذي يريده اللّٰه تنهمر على العابد توفيقات إلهيّة وفيرة وعظيمة.
إذن، إذا قال أمير المؤمنين عليّ علیه السلام: "ما للّٰه آية أكبر منّي"[٢]؛ فإنّه يريد بذلك أنّه بلغ مرتبة من المعرفة بحيث يستطيع من خلالها إبراز عظمة اللّٰه وأن يكون مَظهراً ومُظهراً لعظمته وشرفه وكرامته، وهذا يصدق على الأئمّة علیهم السلام جميعهم؛ فكلّ إمام في عصره هو أكبر آية للّٰه تعالى.
[١] . بحار الأنوار، ج٩٤، ص٩٦؛ موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام: ج٦، ص٧٦، ح٥٠٧١.
[٢] . بصائر الدرجات، ص٧٧، ح٣.