شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٧٠ - ٥ وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ
إنّ هدف أهل البيت علیهم السلام انصبّ على نشر رحمانيّة اللّٰه تعالى ورحيميّته في المجتمعات الإنسانيّة، وأن يكون العطف والحنان من سمات الثقافة الإسلاميّة، ومن يتأمّل في كلمات أهل البيت علیهم السلام وأحاديثهم الشريفة وكتاباتهم القيّمة يجد هذه الثقافة (ثقافة أهل البيت علیهم السلام) بصورة جليّة. يقول الإمام عليّ علیه السلام في رسالته لمالك الأشتر:
وَ أشعِرْ قَلبَكَ الرَّحمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَ المَحَبَّةَ لَهُم... فَإنَّهُم صِنفانِ: إمّا أخٌ لَكَ فِي الدّينِ، أو نَظِيرٌ لَكَ فِي الخَلقِ.[١]
إنّ عليّاً علیه السلام هو معدن رحمة الحقّ، [وقد جسّد الإمام عليّ علیه السلام وهو في سدّة الخلافة أروعَ صُوَر العطف والحنان على رعيّته، وهناك صورٌ مشرقةٌ تبرز مدى رحمته بالناس]، وقد آمن علیه السلام بأنّ كلّ مخلوق من حيث إنّه مخلوق للّٰه تعالى فهو محبوب، ولا بدّ أن نعرف أنّ من يفتقد الشعور بالرحمة والمحبّة في قلبه هو محروم من الرحمة الإلهيّة في الدار الآخرة، وقد أكّد الرسول الأكرم صلی الله علیه و الهعلى هذا المعنى بقوله:
مَن لَم يَرحَم لا يُرحَم.[٢]
نعم، إنّ الثقافة الإسلاميّة تعلّمنا أيضاً اُسلوب التعامل مع المتمرّدين [الخارجين عن جادّة الصواب] بحيث يلزم مجابهتهم بقوّة وثبات، والرسول الأكرم صلی الله علیه و اله الذي كان المصداق الأبرز لقوله تعالى (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)[٣]، وكان يحول دون تجاوزات المشركين والمعتدين ويحدّ من تجاوزاتهم، غير أنّه لم يصدر عنه طيلة حياته أيّ أمر بتقطيع أوصال المعتدين كما فُعل بسيّد الشهداء حمزة علیه السلام.
فأتباع الرسول صلی الله علیه و اله الحقيقيّون يعشقون الخُلُق الحسن، ويسطع من قلوبهم نور اللطف والحنان والمحبّة لجميع الخلق، ويترفّعون عن إيذاء أيّ كائن. بل نجد في منهج أهل البيت علیهم السلام إنّ إيذاء الحيوان أیضاً هو أمرٌ منهيٌّ عنه، ومن يتعرّض للحيوان بالأذى فمصيره
[١] . نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٢] . كنز العمّال، ج٣، ص١٦٣، ح٥٩٧١.
[٣] . الفتح: ٢٩.