شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٩ - ٢٠ وَذَوِي النُّهَى، وَأُوْلِي الحِجَى
٢. الفطنة في ترك أمر وإتيان أمر آخر
ليس من شكّ أنّ للعقل وظيفتين في الحياة: الاُولى الردع عن كلّ ما هو قبيح ومنكَر؛ وبهذا اللحاظ يُطلق عليه "النُّهى". والثانية الأمر بكلّ ما هو حسن ومعروف؛ فيكون معناه "الحجى"، والمعصومون علیهم السلام استحوَذوا على أعلى مراتب الوظيفتين لأنّهم كمال العقل، وبهذه المقاربة في معنى العبارة يكون المراد منها: "السّلام على أهل الحكمة والعقل في ترك المنكر والإتيان بالمعروف".
۳. أصحاب العقل النَّظري والعقل العملي
بناءً على هذا التفسير يكون المراد من العبارة في الزيارة هو: "السلام على القادة الأكثر كمالاً في العقل النظريّ والعقل العمليّ".
يذكر أنّ هناك نظريّتين في تفسير العقل العمليّ والعقل النظريّ؛ فبناءً على النظريّة الاُولى يكون العقل مركزَ الإدراكات ومبدأها، وبالتالي لا فرق هنا بين العقل النظري والعقل العمليّ، بل يكمن الفارق في الهدف؛ فإذا كان الهدف من الإدراك مجرّد المعرفة يطلق على مبدأ إدراكه بالعقل النظري؛ أمّا لو كانت الغاية من الإدراك العمل وحسب فيكون المراد من مبدأ إدراكها هو العقل العمليّ؛ ووفقاً لهذه النظريّة بات العقل العملي مبدأ الإدراك لا المحرّك.
وأمّا النظريّة الثانية فترى أنّ الفارق بين العقل العمليّ والعقل النظريّ هو فارق جوهريّ، أي أنّ الفرق يكمن في مبدأ الإدراك لهما، فالعقل النظريّ الإدراك وحسب، بيد أنّ العقل العمليّ وظيفته؛ بمعنى أنّه يقوم بتطبيق ما أدركه العقل النظري.[١]
وبالتأمّل في روايات العقل والجهل يظهر أمامنا تفسير ثالث للعقل النظريّ والعقل العمليّ؛ وهو أنّ العقل النظريّ هو الطاقة التأمليّة وقوّة الإدراك التي يستعين بها الإنسان للكشف عن المجهولات، غير أنّ العقل العمليّ عبارة عن الوجدان الأخلاقي [أو ما نسمّية بالضمير] والقوّة التي تدعو الإنسان إلى فعل الخير والالتزام بالقيم الأخلاقيّة والسلوكيّة،
[١] . اُنظر: العقل و الجهل في الكتاب و السنّة، ص٢٤.