شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥١ - ٢ وَمَوضِعَ الرسالة
مَعين الوحي؛ من هنا لا يُرى أيُّ تناقض في كلامهم، وعبارة: "موضع الرسالة" تشير إلى هذا المعنى (أي دور الوساطة بين النبيّ والناس)؛ لأنّه يلزم إبلاغ بعض رسائل النبيّ صلی الله علیه و اله من قبل أهل البيت علیهم السلام وحدهم ولا يمكن لأحد غیرهم أن يؤدّي هذا الدور، وما يثبت قولنا هذا هو إبلاغُ أوَّلِ آیاتِ سورة براءة.
إنّ هذا الفهم الخاصّ للرسالة يوحي إلى التعدّد في مفهوم الرسالة ومعناها، وأنّ انقضاء الرسالة والنبوّة برحيل الرسول الأكرم صلی الله علیه و اله يختلف عن الدور الرسالي للأئمّة علیهم السلام.
أوَّلُ آیاتِ سورة التّوبة
ما إن نزلت الآيةُ: (بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ)[١] من سورة التوبة حتّى دفعها رسولُ اللّٰه صلی الله علیه و اله إلى أبي بكر وأمره بالخروج إلى مّكة وأن يقرأها على الناس ويبلّغهم براءة اللّٰه ورسوله من المشركين، فلمّا مضى نزل جبرائيلُ على رسول اللّٰه صلی الله علیه و اله قائلاً:
يا مُحَمَّدُ، لا يُؤَدّي عَنكَ إلّا رجُلٌ مِنكَ.
فأتبعه رسول اللّٰه صلی الله علیه و اله بعليّ أمير المؤمنين علیه السلام ليكون مبلّغاً عن اللّٰه ورسوله صلی الله علیه و اله، فلحقه بالروحاء[٢]، وأخذ منه الآيات، فرجع أبو بكر إلى الرسول صلی الله علیه و اله جَزِعاً فقال: يا رسول اللّٰه، أأنزل اللّٰه فيّ شيئاً؟ قال:
لا، إنَّ اللّٰه أمَرَني أن لا يُؤَدّي عَنّي إلّا أنا أو رَجُلٌ مِنّي.[٣]
ومن الملفت للنظر أنّ الكلام هنا يُفهم على إطلاقه فيشمل إبلاغ حكم البراءة من المشركين وكذلك الأحكام الإلهيّة الاُخری التي تقتضي أن یبلّغها الرسول الأكرم صلی الله علیه و اله أو من يماثله.
وبعبارة اُخرى: إنّ الأحكام الإلهيّة التي لم تُبلَّغ إلى الناس إمّا أن تُبلَّغ بواسطة الرسول صلی الله علیه و اله نفسه أو بواسطة أهل بيته علیهم السلام، ولا يحقّ لأحد غیرهم أن يبلّغ الأحكام ابتداءً، وهذا إنْ دلّ على
[١] . التوبة: ١.
[٢] . الروَّحاء: موضع بین مكّة والمدینة (المصباح المنیر، ص ٢٤٥).
[٣] . الإرشاد، ج١، ص٦٥-٦٦؛ مسند ابن حنبل، ج١، ص٣١٨، ح١٢٩٦.