شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨٨ - ٥٠ اصْطَفاكُم بِعِلمِهِ وَارتَضاكُمْ لِغَيبِهِ، وَاختارَكُمْ لِسِرِّهِ، وَاجتَباكُمْ بِقُدرَتِهِ، وَأَعَزَّكُمْ بِهُداهُ
يحافظوا عليها بحيث نالوا مقام ومرتبة "حفظة سرّ اللّٰه" ؟
يكمن الجواب في السؤال نفسه؛ لأنّ جوهر السرّ وحقيقته هو في سرّيّته، فإذا ما انكشف وظهر فلا يبقى سرّاً، وليس علينا حينئذٍ إلّا أن نعلم بأنّ اللّٰه اصطفاهم كي يكونوا حفظة سرّه، وهذه من خصوصيّات أهل البيت علیهم السلام العظيمة، فأصبحوا مطّلعين على أسرارٍ نحن لا نعلمها.
حكمة الأسرار الإلهيّة
ما حكمة أسرار اللّٰه؟ ولِمَ لم يُظهر اللّٰه هذه الأسرار للجميع؟
يبدو أنّ الفائدة الأهمّ لمعرفة أسرار اللّٰه هو وقوف العالمين بالأسرار على كافّة حيثيّات عالم الخلقة، والإحاطة بالوجود من الزوايا كلّها، فيعرفون النواقص والمشاكل الظاهرية للوجود، ولن تضيق صدورهم عند الشدائد.
إنّ العالمين بأسرار اللّٰه لهم أعين ثاقبة [فينظرون بنور اللّٰه]، وخاضعون لحكمة اللّٰه، ويرون القهر الإلهي ومحبّته عين لطفه، بل تجلّت في أعينهم الألطاف الإلهيّة في حياتهم.
يصوّر الشاعر الإيراني الكبير مولانا جلال الدين الرومي ذلك العبق العلوي المظهر للسرّ الإلهي، وهو يخاطب عليّاً علیه السلام بقوله:
أَعَليٌّ وأنت جلُّ العقل والبصيرة اذكر شمماً ممّا أبصرته من الحقيقة[١]
غير أنّ ما يمنع من ظهور الأسرار هو عدم شرح صدر الإنسان لها وضيق قابليّته؛ لأنّ التسرّع واليأس مغروسان في ذات الانسان فلا يحتمل الأسرار. يقول إمام حفظة سرّ اللّٰه عليّ بن أبي طالب علیه السلام في هذا السياق:
اندَمَجتُ عَلىٰ مَكنُونِ عِلمٍ لَو بُحتُ بِهِ لاَضطَرَبتُمُ اضطِرَابَ الأَرشِيَةِ في الطَّوِيِّ البَعيدَةِ[٢].[٣]
[١] . اصل هذا البيت بالفارسية،
وهو:
ای علی كه جمله عقل و ديدهای!
شمهای واگو از آنچه ديدهای
[٢] . نهج البلاغة، الخطبة: ٥؛ بحار الأنوار، ج٣٥، ص٤.
[٣] . قال العلّامة المجلسي قدس سره: الأرشية: جمع الرِّشاء ـ بالكسر و المدّ ـ وهو الحبل. والطَّوِيّ ـ بفتح الطاء وكسر الواو وتشديد الياء ـ : البئر المطويّة (بحارالأنوار، ج٢٨، ص٢٣٦).