شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨٢ - ٧٢ فالرَّاغِبُ عَنْكُمْ مَارِقٌ، واللازِمُ لَكُمْ لاحِقٌ، والمُقَصِّرُ فِي حَقِّكُمْ زَاهِقٌ
الاُولى وضلّلوا الناس البسطاء، وكان المارقون من بين هؤلاء أشدّهم خطراً؛ وتسميتهم بالمارقين من قبل الرسول صلی الله علیه و اله كانت تسمية سياسيّة حزبيّة بحيث باتت كلمة "المارقون" مصطلحاً سياسيّاً في القاموس الإسلامي.
الإفراط الديني
حصلت الحركة الإفراطيّة الدينيّة الاُولى في غزوة حنين من قبل أحد أصحاب النبيّ صلی الله علیه و اله، فقد أساء صحابيٌّ التصرّف مع الرسول صلی الله علیه و اله باعتراضه بشأن كيفيّة توزيع الغنائم، فأطلق النبيّ صلی الله علیه و اله عليه وعلى من يدور في فلكه صفة المارقين، وعندما ندرس حياة هذا الرجل نجد أنّه كان متديّناً في الظاهر ويثمّن العدالة أكثر من الرسول صلی الله علیه و اله!
ورواية الواقعة تثبت هذا المدّعى:
لَمّا قَسَّمَ رَسولُ اللّٰه صلی الله علیه و اله غَنائِمَ حُنَينٍ أقبَلَ رَجُلٌ طُوالٌ آدم أجَنَأُ[١]، بَينَ عَينَيهِ أثَرُ السُّجودِ، فَسَلَّمَ ولَم يَخُصَّ النَّبِيَّ صلی الله علیه و اله، ثَمَّ قال: قَد رَأَيتُكَ وما صَنَعتَ في هٰذِهِ الغَنائِمِ!
قالَ [الرَّسولُ صلی الله علیه و اله]: وكَيفَ رَأَيتَ؟! قالَ: لَم أرَكَ عَدَلَت!
فَغَضِبَ رَسولُ اللّٰه صلی الله علیه و اله وقالَ: وَيلَكَ! إذا لَم يَكُنَ العَدلُ عِندي فَعِندَ مَن يَكونُ؟
فَقالَ المُسلِمونَ: ألا نَقتُلُهُ؟ فَقالَ [الرَّسولُ صلی الله علیه و اله]:
دَعوهُ، سَيَكونُ لَهُ أتباعٌ يَمُرقونَ مِنَ الدّينِ كَما يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يِقَتُلُهُمُ اللّٰه عَلىٰ يَدِ أحَبِّ الخَلقِ إلَيهِ مِن بَعدي".[٢]
وبعد كرّ الليالي ومرّ الأيّام بات هذا الرجل في عداد رؤوس الخوارج، وقتل في النهروان على يد جيش الإمام عليّ علیه السلام وتحقّق تنبّؤ الرسول صلی الله علیه و اله في حقّه.
إنّ الإفراط [والتشدّد] الديني بدأ كحركة ممنهجة منذ بزوغ صدر الإسلام على يد طائفة من المسلمين، وهذه الحركة أخطر بكثير من التفريط العقائدي الدينيّ، لأنّ الإفراط يخرّب
[١] . يقال: هو أجنَأُ بَتّنُ الجَنَأ: أي أشرف كاهِلُه علی صدره. وفي الصحاح: رجلٌ أجنأُ بَتّنُ الجَنَأ: أي أحدب الظهر (لسان العرب، ج ١، ص ٥٠).
[٢] . الإرشاد، ج١، ص١٤٨؛ وللمزيد من التوسّع اُنظر: موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام، ج۳، ص٦١٦، ح٢٦٥٦.