شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٢٥ - ١٠٥ مَوالِيَّ! لا أُحْصي ثَناءَكُمْ، وَلا أبلُغُ مِنَ المدحِ كُنهَكُمْ، وَمِنَ الوَصفِ قَدْرَكُم،
الكريم كما خاطب اللّٰه تبارك وتعالى رسوله صلی الله علیه و اله بقوله:
(وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ).[١]
وفي تتمّة هذا المقطع من الزيارة الجامعة يبيّن الزائر العارف دور أهل البيت علیهم السلام التكويني والتشريعي بقوله: "وعندكم ما نزلت[٢] به رُسُلُه وهبطت به ملائكته وإلى جدّكم بعث الروح الأمين، آتاكم اللّٰه ما لم يؤتِ أحداً من العالمين..."؛ وبالتالي سنشرع بدراسة التجلّيات الاُخرى لولاية أهل البيت علیهم السلام التكوينيّة:
٥. تواضع كلّ شيء أمام أهل البيت علیهم السلام
لقد بلغ أهل البيت علیهم السلام ذروة الكمالات النفسانيّة [والروحانيّة] بحيث يخضع أمامهم ــ إضافة إلى المؤمنين بهم والموالين لهم ــ المتكبّرون والجبابرة والمستكبرون شاؤوا أم أبوا، فهم يتواضعون مقابل قدرة أهل البيت علیهم السلام المعنويّة وولايتهم التكوينيّة، بل أكثر من ذلك نجد أنّ الكون وعالم الوجود يخضع أمامهم بأمر من اللّٰه المتعال.
نماذج من ولاية أهل البيت علیهم السلام التكوينيّة
وللوقوف على قدرة أهل البيت علیهم السلام المعنويّة وولايتهم التكوينيّة يجدر التأمّل في الحادثتین التالیتین:
[١] . الأنفال: ٣٣.
[٢] . يقترب معنى "نزلت" من "هبطت"، وهما واحد، بيد أنّ البعض فرّق بينهما بحيث إنّه إذا نزل شيء من علوّ إلى اسفل واستقرّ [في مكانه] فهذا هو الهبوط، لكن إذا كان المراد مجرّد الانحطاط والانحدار من العالي إلى السافل دون الاستقرار فهو النزول (اُنظر: معجم الفروق اللغويّة، ص٥٥٥).
وقوله تعالى: (اهْبِطُواْ مِصْراً) (البقرة: ٦١) يؤكّد المذهب السابق؛ إذ تفيد انزلوا في المدينة واستقرّوا بها. وقد يراد من الهبوط الحدور أو الدخول إلى الأرض؛ [فيقال: "هبط فلان أرضَ كذا وهبط السوق؛ إذا أتاها" لسان العرب، ج٧، ص٤٢١. المترجم]. وبهذا يختلف معناها عن معنى نزل؛ لأنّ الهبوط حينئذٍ لا یعني الانحدار من العالي إلى السّافل؛ وأيّاً يكن؛ يبدو أنّ الهبوط والنزول في [الزيارة] بمعنى واحد، ويحتمل أن يكون المراد من النزول هو إنزال الأحكام والشريعة الإلهيّة لكن المراد من الهبوط هو إسقاط الأُمور التّكوينيّة الجزئيّة؛ مثل الحوادث الحاصلة في العالم، وإثبات أحد المعنيين أو الاحتمالات السابقة يحتاج إلى دليل، ومع فقدانه نقتصر على المعاني اللغويّة.
إنّ تقدّم "عندكم" على الجملة يُفيد الحصر، بمعنى أنّ كلّ ما نزل على الأنبياء استقرّ عند أهل البيت علیهم السلام فقط، في حين حُرِم منه الآخرون.