شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٢٩ - ٥٩ فَعَظَّمتُم جَلالَهُ، وَأَكبَرتُمْ شَأنَهُ، وَمَجَّدّتُم كَرَمَهُ
هذا تقرير جزئي بسيط من علماء النجوم والكواكب عن زاوية صغيرة من هذا الكون، وإذا نظرنا إلى عالم النباتات والحيوانات والمياه والأحجار وغيرها، سنكتشف عالماً مهيباً وعظيماً يحمل أسراراً ورموزاً كثيرة، والمحقّقون في كلّ اختصاص علميّ أو فرع معيّن يكشفون اللثام عن غرائب العالم بلهف وحبّ شديدين، وتبلغ عظمة وجلالة العالم مبلغاً لا يستطيع أحد الإلمام بكلّ العالم وفروعه واختصاصاته متفوّقاً فيها، والعالم الخبير ـ في اختصاصه ـ ينظر إلى زاوية محدّدة صغيرة وجزئيّة وفقاً لمعلوماته ومعارفه. من هنا نجد أنّ أكثر العلماء يرون أنّ العالم هو مظهرٌ ومرآة للحقّ، لكنّهم عاجزون عن كشف عظمته وإظهار جلال اللّٰه عز و جل بشكل كامل وبالمقدار المطلوب، لكنّ الأئمّة المعصومين علیهم السلام هم مَظهر الحقّ ومُظهريه.
العالم من منظار أهل البيت علیهم السلام
لقد أدرك أهل البيت علیهم السلام عظمة العالم وقدره، وبيّنوا ذلك بتشابيه متعدّدة وتمثيل واضح، فها هو الرسول الأكرم صلی الله علیه و اله يشبّه تشبيهاً جميلاً؛ حيث يشبّه عظمة السماوات مقارنةً بعظمة الكرسي (أو العرش)، وكأنّ السماوات حلقة خاتم وقعت في صحراء واسعة، فيقول:
مَا السَّماواتُ السَّبعُ فِي الكُرسيِّ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلقٰاةٍ في أرضِ فَلاةٍ.[١]
أنّ حقيقة الكرسي وإن كانت خافيةً علينا، لكنّها واضحة علی نحو الإجمال، فقد وصف الإمامُ الصادق علیه السلام عرشَ اللّٰه توصيفاً اعتمد فيه اُسلوب التمثيل قائلاً:
إنَّ لِلّٰه تَعالىٰ مَلَكاً يُقالُ لَهُ: خرقائيلُ لَهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ ألفَ جَناحٍ، ما بَينَ الجَناحِ إلَى الجَناحِ خَمسُمِئَةِ عامٍ، فَخَطَرَ لَهُ خاطِرٌ: هَل فَوقَ العَرشِ شَيءٌ؟ فَزادَهُ اللّهُ مِثلَها أجنِحَةً اُخرىٰ، فَكانَ لَهُ سِتُّ وثَلاثونَ ألفَ جَناحٍ، ما بَينَ الجَناحِ إلَی الجَناحِ خَمسُمِئَةِ عام، ثُمَّ أوحَى اللّهُ إلَيهِ: أيُّهَا المَلَكُ طِرْ، فَطارَ مِقدارَ عِشرينَ ألفَ عامٍ لَم يَنَل رَأسَ قائِمةٍ مِن قَوائِمِ العَرشِ، ثُمَّ ضاعَفَ اللّهُ لَهُ فِي الجَناحِ وَالقُوَّةِ وأمَرَهُ أن يَطيرَ، فَطارَ مِقدارَ ثَلاثينَ ألفَ عامٍ لَم يَنَل أيضاً، فَأَوحَى اللّهُ إلَیهِ: أيُّهَا المَلَكُ، لَو طِرتَ إلىٰ نَفخِ الصّورِ مَعَ أجنِحَتِكَ وقُوَّتِكَ، لَم تَبلُغ إلىٰ ساقِ عَرشي. فَقالَ المَلَكُ: سُبحانَ رَبِّيَ الأَعلىٰ.[٢]
[١] . الخصال، ص٥٢٤، ح١٣.
[٢] . بحار الأنوار، ج٥٨، ص٣٤، ح٥٤.