شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨٦ - ٥٠ اصْطَفاكُم بِعِلمِهِ وَارتَضاكُمْ لِغَيبِهِ، وَاختارَكُمْ لِسِرِّهِ، وَاجتَباكُمْ بِقُدرَتِهِ، وَأَعَزَّكُمْ بِهُداهُ
إذن، يمكن تصوّر معرفة النبي صلی الله علیه و اله للغيب، وخلافاً لتوهّم بعض أهل السنّة ـ الذين لا يتحمّلون حتّی معرفة النبّي بالغيب ـ فإنّ الأئمّة المنتجبین سيكونون مطّلعين أيضاً على العلوم الغيبية بإرادة اللّٰه. وما نجزم به هو أنّهم علیهم السلام يستخدمون هذا العلم لهداية الناس، ولا يوظّفونه لأغراضهم الشخصيّة ومنافعهم الدنيويّة، وإذا ما نظرنا إلى الروايات الواردة عند الشيعة والسنّة، نجد فيها ذكر مدى استفادة المعصومين علیهم السلام من العلوم الغيبيّة.
معرفة أمير المؤمنين علیه السلام الغيب
لقد استفاد أمير المؤمنين علي علیه السلام من علمه بالغيب مرّات عديدة، واستطاع إخراج الكثير من أهل الشّك والريبة من دائرة الحيرة[١]، فعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر ما حدث في معركة النهروان عندما قال لأصحابه:
وَ اللّهِ! لا يُقتَلُ مِنكُم عَشَرَةٌ، وَ لا يَسلَمُ مِنهُم عَشَرَةٌ.[٢]
وفي نهاية المطاف، لمّا وضعت الحرب أوزارها، تحقّق ما أنبأ به الإمام عليّ علیه السلام؛ فلم يبقَ من الخوارج المتعنّتين أكثر من عشرة، ومن المعلوم أنّ معركة النهروان من أصعب ما خاضه عليّ علیه السلام من الحروب؛ لأنّه كان لزاماً على جيش الإمام عليّ علیه السلام الوقوف أمام المدّعين المتظاهرين بالعبادة والنسك وإبادتهم.
يروي أحد جنود الإمام عليّ علیه السلام وهو جندب بن عبد اللّٰه[الأزدي] قصّةً عن هذه الحرب حین داخله الشكّ وهو في جيش الإمام عليّ علیه السلام:
شَهدتُ مَعَ عَلِيٍّ علیه السلام الجَمَلَ وصِفّينَ لا أشُكُّ في قِتالِ مَن قاتَلَهُ، حَتّىٰ نَزَلنَا النَّهرَوانَ فَدَخَلَني شَكٌّ [في قِتالِ القَومِ]، وقُلتُ: قُرّاؤُنا وخِيارُنا نَقتُلُهُم! إنَّ هٰذا لَأَمرٌ عَظيمٌ. فَخَرَجتُ غُدوَةً أمشي ومَعي إداوَةُ ماءٍ، حَتىٰ بَرَزتُ عَنِ الصُّفوفِ فَرَكَزتُ رُمحي ووَضَعتُ تُرسي إلَيهِ، وَاستَتَرتُ مِنَ الشَّمسِ، فَإِنّي لَجالِسٌ، حَتّىٰ وَرَدَ علّيَّ أميرُ المُؤمِنينَ علیه السلام فَقالَ لي: يا أخَا الأَزدِ، أمَعَكَ طَهورٌ؟ قُلتُ: نَعَم، فَناوَلتُهُ الإداوَةَ، فَمَضىٰ حَتّىٰ لَم أرَهُ، ثُمَّ أقبَلَ وقَد تَطَهَّرَ فَجَلَسَ في ظِلِّ التُّرسِ،
[١] . ولمزید الاطّلاع اُنظر: موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب، ج٦، ص ٤١٩ (إخبارُه بالاُمور الغيبيّة).
[٢] . الكامل في التاريخ، ج٢، ص٤٠٥.