شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٩٤ - ٨ وَأُصُولَ الكَرَم
والذين أمضوا صباهم في اللّٰهو واللعب يتأسّفون كثيراً لضياع الفرص النادرة الفائتة وينتابهم الحزن علی ذلك، غير أنّ حزنهم هذا ينبغي أن يؤسّس لمرحلةٍ جديدةٍ من الحياة، ويعطي لهذا الإنسان بصيرة وعبرة لرسم مستقبل أفضل. وما من شكّ أنّ الذين يسكنهم الحزن الدائم على ما مضى من ريعان الشباب، وفي الوقت نفسه هم غافلون في حاضرهم، لن يصلوا إلى المستقبل المشرق والمقاصد السامية.
ومن علامات كرم الإنسان أيضاً؛ حفظ قديم الإخوان بعدم النسيان، وتقديم الإحسان لهم، وأن لا يتغيّر عن ذلك مهما اختلف موقعه ومسؤوليّته؛ إذ الاعتماد علی قديم الإخوان هو أوثقُ وأكثر بقاء؛ لأنّ الصداقة تبنى حينئذٍ على المحبّة، وقديم الأصدقاء ليسوا مجرّد أناس يحيطون بالمرء ما درّت معايشهم وتحقّقت مصالحهم الضيّقة المبنيّة على الجاه والثروة.
ومن علامات الكرم أيضاً حبّ الوطن والتعلّق الشديد به، ولعلّه يمكن القول بأنّ شدّة تعلّق الإنسان بمسقط رأسه تعني عشق الانتماء لمنبت الإنسان وأساسه؛ وعلى ذلك فعالم الملكوت هو الموطن الأصلي للإنسان، الذي يبقی دائم التعلّق به:
أنا ائرٌ من روضة الملكوتِ لا من عوالم طينةٍ وترابِ
اُمضي سجين الطين أيام الدُنى ولروضةِ الملكوتِ كانَ إيابي[١]
ويذكر الإمام الصادق علیه السلام مصاديق اُخر للكرم بقوله:
ثَلاثَةٌ تَدُلُّ عَلىٰ كَرَمِ المَرءِ: حُسنُ الخُلقِ، وَ كَظمُ الغَيْظِ، وَ غَضُّ الطَّرفِ.[٢]
إنّ الكرماء يمقتون مساوئ السلوك والفعل القبيح، غير أنّهم يغضّون الطرف بكرمهم ويكظمون غيظهم، لأنّهم يدّخرون غضبهم لأعداء اللّٰه المتعدّين حدودَه، والإنسان ذو النفس
[١] . أصل البيت
بالفارسيّة، وهو:
مُرغِ باغِ ملَكوتَم نِيَم از عالَمِ خاك
چَند روزی قَفَسی ساختهاند از بدنم
[٢] . تحف العقول، ص٣١٩.