شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٦٨ - بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّه وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ
الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).[١]
إنّ أهل اليقين يرون حقيقة نبوّة الرسول صلی الله علیه و اله واقعاً إلی جانب قبولهم القلبي بذلك، وما يرونه يبقى ويثبت في روعهم، فها هو عليّ علیه السلام إمام أهل اليقين يصف ما رآه من بعثة الرسول صلی الله علیه و اله بقوله:
أَرىٰ نورَ الوَحيِ وَ الرِّسٰالَةِ، و أَشُمُّ ريحَ النُّبُوَّةِ، وَ لَقَد سَمِعتُ رَنَّةَ الشَّيطَانِ حينَ نَزَلَ الوَحيُ عَلَيهِ صلی الله علیه و اله، فَقُلتُ: يا رسولَ اللّهِ! ما هذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقالَ: هٰذَا الشَّيطَانُ قَد أيِسَ من عِبادَتِهِ، إنَّكَ تَسمَعُ ما أَسمَعُ، و تَرىٰ ما أَرىٰ، إلاّ أَنَّك لَستَ بِنَبِيٍّ، وَ لكِنَّكَ لَوَزيرٌ وَ إنَّكَ لَعَلىٰ خَيرٍ.[٢]
[ليس من شكّ] أنّ الشهود القلبي أسمی بكثير من الاستدلالات الكلاميّة والفلسفيّة، وأمير المؤمنين علیه السلام شاهد باُمّ عينيه آثارَ النبوّة، من هنا لا يُقاس إيمان أحد بإيمان المولى عليّ علیه السلام. إنّ شهود آثار النبوّة یُبطل كلّ الفلسفات المثارة حولها، وبالتالي لا تزعزع البراهين المحكمة لهذا الشهود اليقيني؛ نعم إنّ من لم يصل إلى مقام اليقين يؤمن بنبوّة الرسول صلی الله علیه و اله وآثارها فقط، ويبقی محروماً من شهودها:
(والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ).[٣]
لهاتين الآيتين إيحاءات غاية في الجمال؛ إذ تفرز المؤمنين إلى طائفتين: طائفة يرون حقيقة نبوّة رسول اللّٰه صلی الله علیه و اله وأنّ ما نزل عليه حقّ، وطائفة يؤمنون بذلك [ولم يصلوا إلی مرحلة الرؤية والشهود].
ساحة القلب
إنّ عشّاق المعرفة يودعون قلبهم عند الحبيب الصديق آملين الشهود اليقينيّ، والحقّ سبحانه حينئذٍ لا يحرمهم من ألطافه، فكلّ فينة واُخرى يزيح الستار عن قلبهم وباطنهم ويمتّن
[١] . سبأ: ٦.
[٢] . نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
[٣] . البقرة: ٤.