شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٥ - ١٩ وَأَعْلامِ التُّقَى
ويقوم بواجباته، ولا يألو جهداً في الحركة والتقدّم والنماء، إذ يعتقد جازماً أنّ اللّٰه تعالى هو مدبّرُ الاُمور وما خفي عنه ظاهر عند ربّه، وعندما يعتقد بحكمة اللّٰه تعالى فإنّه يتحمّل المشاقّ ويصبر على المشكلات:
إذٰا فَوَّضَ العَبدُ تَدبِيرَ نَفسِهِ عَلىٰ مُدَبِّرِه هانَ عَلَيهِ مَصائِبُ الدُّنيا.[١]
والرسالة الثالثة للإمام علیه السلام في سياق بيان حقيقة العبوديّة، هي أنّ الإنسان إذا وظّف كلَّ أوقاته وطاقاته في سبيل طاعة اللّٰه تعالى والابتعاد عن معصيته، فلا يمكن أن يعيش حالةَ فراغ، وستُصبَغُ أيّامُه ولياليه وحتّى أوقاتُ فراغه بصبغة طاعةِ اللّٰه، وحتّی سياحته، ستكون سيراً في آفاقِ الملك والملكوت؛ لأنّه يرى اللّهَ في كلّ شيء، وهذا ما يعطي الحياةَ معناها الحقيقيَّ، فلا تكاد تراه غافلاً عن ذكر اللّٰه، ولا يلجأ إلى المباهاة والتكبر والاغترار بالذات.
يُروى عن رسول اللّٰه صلی الله علیه و اله أنّه أوصى أبا ذرّ الغفاريَّ بقوله:
لِيَكُن لَكَ في كُلِّ شَيءٍ نِيَّةٌ صالِحَةٌ، حَتّىٰ فِي النَّومِ وَ الْأكلِ.[٢]
والجميل في القضيّة أنّ الإمام الصادق علیه السلام بعد بيانه لحقيقة العبوديّة يقول:
فَهٰذا أوَّلُ دَرَجَةِ التُّقىٰ.[٣]
وبعبارة اُخرى: إنّ التقوى ليست الصلاة والصوم والابتعاد عن الكذب فحسب، بل كلّ هذه الاُمور من شروط الوصول إلى التقوى، وواضحٌ تأكيد الإمام علیه السلام على ضرورة كون أعمال المرء في إطار الأخلاق الإسلاميّة، فسلوكه وأعماله تكون علی ضوء ما سبق من شروط التقوى ومعطياتها لتُفضي في نهاية المطاف إلى التسليم المطلق للّٰه تعالى، وتفويض الاُمور كلّها إليه.
وهذا التفويض المطلق لا يعني ترك التخطيط والبرمجة للحياة؛ لأنّ المؤمن كَيِّسٌ[٤]، وبالتالي يدقّق في كلّ خطواته ويخطّط لحياته، ويُبَرمج على أساس منطق العقل والدين،
[١] . المصدر نفسه.
[٢] . مكارم الأخلاق، ج٢، ص٣٧٠؛ ميزان الحكمة، ج٩، ص٢٢٥، ح٢١٠٢٧.
[٣] . بحار الأنوار، ج١، ص٢٢٦، ح١٧.
[٤] . «المؤمن كيّسٌ فطنٌ حذرٌ» (بحار الأنوار، ج٦٧، ص٣٠٧، ح٤٠).